ثمة حب لا يظهر إلا بعد الموت، لأن غياب صاحبه يريحنا من عبء الإصغاء إليه. زياد الرحباني لم يتحول فجأة إلى محبوب حين مات؛ كل ما جرى أن صوته اختفى، فصار الاقتراب منه آمناً، وصار الاحتفاء به ممكناً بعد أن انتهى ما كان يسببه حضوره من قلق وإحراج.
كان وجوده يضع الناس أمام أسئلة لا يرغبون في سماعها، ويمنعهم من الاستقرار داخل الصور المريحة التي صنعوها لأنفسهم. وحين غاب، تعطّل ذلك الإزعاج الذي لازم اسمه وفنه ومواقفه، فاندفع كثيرون إلى محبته بالطريقة التي نحب بها من توقف عن مواجهتنا. لذلك بدا الحزن الجماعي أقرب إلى تواطؤ شعوري يخفف وطأة الذنب، ويمنح أصحابه فرصة متأخرة كي يظهروا في صورة الأوفياء.
امتلأت الشاشات بمسرحياته، وعادت المقاطع القديمة إلى التداول، وانتشرت نبذ حياته وصوره وكلماته، كأن الناس كانوا ينتظرون موته كي يتذكروا أنه عاش بينهم. وفي ساعات قليلة، صار زياد ابن فيروز النقي، والعبقري الذي ظلمته السياسة، والحبيب الذي عجزنا عن فهمه. كل هذا الحب الكثيف أثار في نفسي ريبة يصعب تجاهلها؛ فقد بدا كأنه تطهير نفسي جماعي يحاول أن يبرئ الذين ضاقوا به حياً، ثم وجدوا في موته مناسبة آمنة للاحتفاء به.
زياد الذي بكى عليه الناس لم يكن محبوباً بهذه الصورة حين كان يمشي بينهم. رآه كثيرون عبئاً ثقيلاً، لأنهم عجزوا عن تصنيفه أو احتوائه أو تحويله إلى رمز صالح للاستعمال. وصفوا فوضاه وكأنها غياب للرؤية، وتعاملوا مع سخريته بوصفها عبثاً، وضاقوا بانحيازاته السياسية لأنها أفسدت عليهم الصورة التي أرادوا الاحتفاظ بها عنه. واتُّهم من خارج تجربته بالجنون والإلحاد والتشيع السياسي والتخلي عن صوت القضية، ووصل الأمر إلى اتهامه بالإساءة إلى إرث الرحابنة نفسه.
كانت تلك صورة صنعها الخوف من ذكائه والنفور من تعقيده. فالرجل ظل عصياً على الترويض، ولم يمنح جمهوره النسخة التي طلبها منه. كان يضحك كي يحرج، ويسخر كي يكشف، ويقف وحيداً حين تصبح الجماعة أكثر اطمئناناً إلى أوهامها. لذلك لم يكن نغمة تنسجم مع ذوقنا العام؛ كان مرآة ترد إلينا مقدار النشاز الذي تعودنا عليه حتى حسبناه انسجاماً.
وحين انتهى حضوره، بدأت عملية صناعة زياد آخر، أكثر نعومة وأقل تهديداً. جرى تخفيف فوضاه، وتنميق جمله، وانتقاء ما يصلح من أعماله للحنين، ثم وُضعت بقية شخصيته جانباً. تحوّل إلى نسخة مريحة يمكن تداولها من غير خوف، وصار رمزاً ثقافياً بعد أن فقد قدرته على إرباك أحد.
ما حدث يذكّرني بالطريقة التي وصف بها نيتشه الصراع بين الروح الديونيسية الجامحة والروح الأبولونية المنظمة. أخذنا زياد الفوضوي والصارخ، ثم غلفناه بصورة هادئة تصلح للتعليق في الصالونات. هذه طريقتنا المعتادة في التعامل مع ما يخيفنا؛ نعيد صياغته حتى يفقد حدته، ونحوّل التمرد إلى زينة، والألم إلى مقطع موسيقي، والانفجار إلى مناسبة للاستذكار.
الجمال الذي صنعناه بعد موته يعبّر عنا أكثر مما يعبّر عنه. فقد احتجنا إلى ترويضه كي نتمكن من محبته، وسمّينا هذا الترويض حنيناً. والحقيقة أن الحزن يمنح الناس شعوراً أخلاقياً مريحاً، لأنه لا يطالبهم بموقف، ولا يضعهم أمام امتحان الشجاعة، ولا يلزمهم بالدفاع عمن يبكونه. يكفي أن ينشر المرء صورة، أو يستعيد مقطعاً، أو يكتب عبارة مؤثرة، ثم يخرج من التجربة وهو مقتنع بأنه أدى واجبه نحو الراحل.
لهذا أشعر أن كثيراً من البكاء لم يكن تعبيراً عن المحبة بقدر ما كان محاولة للهرب من الذنب. فالإنسان يستطيع أن يرثي من خذله، وأن يحوّل دموعه إلى ستار يحجب عنه حقيقة الخذلان. الجمهور الذي ترك زياد وحيداً في أكثر لحظاته قسوة عاد بعد رحيله ليمنحه حباً لا يكلّفه شيئاً، وقد كان يحتاج في حياته إلى شيء أصعب بكثير من الرثاء.
كان يحتاج إلى مجتمع يحتمل فوضى السؤال، ويمنحه مساحة كي يكون كما هو، من غير أن يطالبه كل مرة بأن يعود إلى صورة الرحابنة التي حفظها الناس وأحبوها. أرادوا منه أن يعزف لهم، وأن يضحكهم، وأن يبقى قريباً من الذوق الذي اعتادوه. أما أسئلته ومواقفه وانكساراته، فقد بدت لهم عبئاً زائداً على الفن.
ولأنه رفض أن يؤدي الدور المرسوم له، جرى التعامل معه كحالة خارجة عن السياق. بقي وحيداً في المكان الذي اختاره، فيما كان الناس ينتظرون منه أن يعود إلى النسخة التي يستطيعون فهمها. وبعد موته أخرجوا صوره، واستعادوا كلماته، وتحدثوا عن مقدار حبهم له، مع أن كثيرين منهم شعروا في حياته بالراحة كلما ابتعد صوته عنهم.
كلما فكرت في هذا المشهد، بدا لي أن موجة الحنين التي أعقبت رحيله تكشف شيئاً أوسع من علاقتنا بزياد الرحباني. نحن، كجماعات، نضيق بالمفكر والفنان حين يظل حياً وقادراً على الكلام، ثم نفتح له أبواب المحبة بعد أن يصمت. الموت يحرره من حاجته إلى الدفاع عن نفسه، ويحررنا نحن من الخوف الذي كان يثيره فينا.
ربما لم نحب زياد كما نزعم. ربما أحببنا الصمت الذي تركه وراءه، لأنه منحنا فرصة أن نصنع منه الشخص الذي أردناه دائماً، بعد أن عجزنا عن احتمال الشخص الذي كانه بالفعل.
مشاركة المقال :