بعد مقتل الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه في معركة صفين، وجد جيش معاوية بن أبي سفيان نفسه أمام حديث نبوي يعرفه المسلمون ويتناقلونه: «عمار تقتله الفئة الباغية». كان حضور عمار في جيش الإمام علي عليه السلام قد جعل مقتله علامةً ينتظرها الناس لمعرفة الجهة التي ينطبق عليها وصف البغي، فلما سقط في المعركة انكشف الموقف على نحو أربك الطرف الذي قتله، وبدأ البحث سريعاً عن رواية تخفف أثر الحديث في نفوس المقاتلين.
خرجت عندئذ مقولة تحاول نقل المسؤولية من يد القاتل إلى من أخرج عماراً للقتال، فقيل إن الإمام علياً عليه السلام هو الذي قتله لأنه جاء به إلى المعركة. حملت هذه الرواية غرضاً سياسياً واضحاً، إذ أرادت أن تنزع عن جيش معاوية وصف «الفئة الباغية» من خلال تغيير معنى القتل نفسه، وكأن من وضع الرجل في ساحة الحرب يتحمل فعل من ضربه بالسيف.
كانت الحيلة تقوم على إبعاد الأنظار عن الواقعة المباشرة وإدخال الناس في جدل لغوي يبدد وضوحها. فبدلاً من سؤالهم عن الجيش الذي قتل عماراً، دُفعوا إلى السؤال عمن جاء به إلى صفين، وبذلك تحولت دلالة الحديث من شاهد على حقيقة المعركة إلى مادة قابلة للتأويل السياسي. وقد احتاج أتباع معاوية إلى مثل هذا التأويل حين بدأ بعضهم يدرك أن الحديث الذي حفظوه طويلاً قد تحقق أمام أعينهم، وأن موقعهم في القتال صار موضع مراجعة ثقيلة.
هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها التاريخ بفقدان بساطته، حين تدخل المصلحة بين الواقعة وبين الناس، فتأخذ الحقيقة شكلاً جديداً يناسب الطرف الذي يخشى نتائجها. وقد لا يستطيع صاحب السلطة محو الحدث، فيعيد تفسيره، ولا يقدر على إسقاط النص، فيغير وجهته، ثم يترك للرواية الجديدة أن تتكاثر حتى تخف وطأة الأصل في ذاكرة أتباعه.
بقي مقتل عمار مع ذلك حاضراً في وعي من شهد صفين وعرف الحديث النبوي، لأن الرواية السياسية تستطيع إرباك الحقيقة زمناً، لكنها تعجز عن تغيير اليد التي باشرت القتل. وقد بدا التأويل نفسه دليلاً على شدة المأزق؛ فالطرف الواثق من موقفه لا يحتاج عادةً إلى تحويل القاتل إلى شخص آخر، ولا إلى تحميل الضحية وحلفائها مسؤولية السيف الذي أصابها.
يأخذ هذا الأسلوب اليوم صوراً جديدة، بينما يحتفظ بمنطقه القديم. تقع الحادثة، وتظهر المسؤولية، ثم تبدأ الروايات المصنوعة في نقل الأنظار إلى تفصيل آخر يخدم الجهة التي تريد النجاة من اللوم. تُطلق إشاعة حول موقف سياسي، أو تُنسب نية إلى قوة عسكرية، أو يُقتطع كلام من سياقه، فينشغل الجمهور بمادة جانبية بينما تتراجع الواقعة الأساسية خلف الضجيج.
تُستخدم هذه الروايات كذلك لإضعاف العلاقات بين القوى المتحالفة، لأن الإشاعة تستطيع أن تزرع الشك من غير أن تقدم دليلاً. يكفي أن تتكرر العبارة، وأن تُنسب إلى مصدر غامض، وأن تجد من يرددها بحماسة، حتى تتحول إلى قضية يتعين على أصحابها نفيها والدفاع عن أنفسهم منها. وفي أثناء هذا الدفاع تكون الإشاعة قد أدت وظيفتها، فقد نقلت النقاش من الفعل الحقيقي إلى رواية اختارها صانع التضليل.
يذكرنا ما حدث بعد مقتل عمار بأن تحريف الحقيقة يبدأ غالباً من إعادة تسمية الأشياء. القتل يصبح نتيجةً لإخراج الرجل إلى المعركة، والبغي يتحول إلى اجتهاد، والمسؤولية تنتقل من الفاعل إلى الطرف الذي أصابه الفعل. وتبدو الكلمات في ظاهرها شرحاً لما جرى، مع أنها تعيد توزيع الذنب بطريقة تحمي صاحب القوة وتربك من يبحث عن الحقيقة.
وقد تتغير الأزمنة والأسماء، فيما تبقى الحاجة إلى هذه الحيلة قائمةً كلما عجز طرف عن مواجهة أثر أفعاله. فالمصلحة السياسية لا تكتفي أحياناً بإخفاء الخبر، وإنما تصنع حوله خبراً آخر يطلب من الناس أن ينظروا إلى الجريمة من زاوية تخدم مرتكبها. ومع كثرة التكرار، يجد بعضهم في الرواية الجديدة راحةً نفسيةً تعفيه من مراجعة موقفه، فيتمسك بها لأنها أقل إيلاماً من الاعتراف.
التاريخ مليء بهذه المحاولات التي أرادت تخفيف ثقل الحقيقة على أصحابها، وقد ترك لنا مقتل عمار مثالاً واضحاً على الطريقة التي يمكن بها تحويل نص معروف إلى أداة جدل بعد أن كان أداة كشف. وما يحدث في الحاضر ينتمي إلى المنطق نفسه كلما استُخدمت الإشاعة لتشويه موقف، أو لتبرئة طرف، أو لتغيير جهة المسؤولية.
تبقى مهمة الباحث عن الحقيقة أصعب من مجرد سماع الرواية الأكثر انتشاراً، لأنها تتطلب العودة إلى أصل الواقعة، ومعرفة من صنع الخبر، والغاية التي يخدمها، والجهة التي تستفيد من تحويل الأنظار. وعندما تُفحص الروايات بهذه الطريقة، تفقد الإشاعة كثيراً من قوتها، وتعود المسؤولية إلى موضعها الذي حاول الخطاب السياسي إبعادها عنه.
مشاركة المقال :