في الخطاب العراقي اتهام يتكرر حتى استقر في الأذهان كأنه حقيقة لا تحتاج إلى دليل: الحشد الشعبي أداة لإيران، وإيران تتحكم بالعراق. خرج هذا القول من المنابر السياسية الساخنة، ثم دخل أحاديث الناس ومقالات الرأي، وتبنّاه بعض من يُفترض أنهم أهل تحليل وتدقيق. ومع كثرة الترديد، صار كثيرون ينطقون به بثقة من يصف أمراً رآه بعينيه، مع أن أكثرهم لم يفحص الوقائع التي تقوم عليها هذه الرواية.
كنتُ واحداً ممن أخذوا هذا الكلام كما هو. بقيت أراه تفسيراً معقولاً لما يجري في العراق، إلى أن ظهرت أمامي واقعة يصعب إدخالها في هذا التفسير: طائرات إسرائيلية تضرب أهدافاً إيرانية من أجواء العراق اثني عشر يوماً متتالية، والدولة التي يُقال إنها واقعة تحت النفوذ المطلق لطهران تلتزم الصمت. أثار هذا المشهد في ذهني سؤالاً بسيطاً: من يملك هذه السماء فعلاً؟ ومن يقرر أن تصمت بغداد؟ ومن الحاكم الذي يدير المسرح من غير أن يظهر عليه؟
الجواب الذي اعتدنا سماعه يحصر المسألة في إيران، مع أن صورة العدو الإيراني صيغت في الوعي العام بطريقة جعلته المتهم الدائم، والمخرج الجاهز لتفسير كل أزمة. موقع إيران يساعد على ذلك؛ فهي قريبة بما يكفي ليبدو خطرها واقعياً، ومختلفة قومياً ولغوياً بما يكفي لكي تُعامل كقوة غريبة. ومع مرور الوقت، تولت ماكينة إعلامية وسياسية إعادة إنتاج هذه الصورة بلا انقطاع. تنتقي نشرات الأخبار ما يخدم الرواية، وتعيد مقالات الرأي الخطاب من غير مساءلة، وتحول منصات التواصل كل حادثة إلى دليل جديد على «الهيمنة الإيرانية». وحين تتكرر الأدلة المصنوعة على هذا النحو، يتحول الرأي إلى يقين جماعي، ويغدو الشك فيه نوعاً من الخروج على البداهة.
الوقائع التي تحكم حياة العراق اليومية تفتح أمامنا صورة أوسع. الدينار العراقي مقيد بالدولار الذي يدار عبر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهذا يضع السياسة النقدية تحت تأثير خارجي مباشر. النفط يُنتج ويباع في منظومة تخضع لرقابة غربية صارمة. أجواء العراق مغلقة بمفاتيح قيادة التحالف، والدفاع الجوي معطل بقرار سياسي سبق العجز التقني وصنعه. أما القوانين الكبرى والعقود الاستراتيجية، فتظل معلقة إلى أن تمر في المجال الذي تسمح به الإرادة الأمريكية. اجتماع هذه الوقائع لا يترك أمامنا مجرد تفاصيل متناثرة؛ إنه يرسم ملامح سيادة منقوصة، ويكشف أن موازين القوة في العراق لا تُرسم في طهران وحدها.
تشاركنا إيران الدين والتاريخ، ويمنحها هذا القرب حضوراً مؤثراً في العراق. اختلاف اللغة والقومية يضعها في موقع رمادي يجعلها خصماً مثالياً في المسرح السياسي. حضورها موجود وله وزنه، غير أن صورته في الوعي العراقي تضخمت حتى تجاوزت حجمه الفعلي. لقد أُسند إليها دور العدو الذي يستحوذ على الأضواء، فيما بقيت القوة الأقدر على ضبط المشهد خلف الكواليس، تحدد مساحة الحركة، وتفتح الأبواب وتغلقها، وتترك الجمهور مشدوداً إلى الشخصية التي يراها أمامه.
يولد تضخيم الحضور الإيراني من فراغ السيادة العراقية. وكلما ضعفت الدولة، اتسعت صورة القوى التي تتحرك داخلها، حتى يبدو أحدها مالكاً للمشهد كله. هذه الصورة لا تنشأ دائماً من سوء فهم بريء؛ فإدارة الإدراك أصبحت جزءاً من إدارة السياسة. يكفي أن ينشغل الناس بالظل حتى تظل اليد التي تحركه خارج مجال النظر. وعندما يستقر اهتمام الجمهور على خصم واحد، تختفي بقية القوى من الحساب، مع أنها تمسك بالمفاتيح الأثقل أثراً في المال والسماء والقرار.
لهذا تجري المعركة الأعمق داخل العقول. عبّر جورج أورويل عن هذا المعنى في رواية 1984 حين أشار إلى أن السيطرة على إدراك الناس أخطر وأعمق من السيطرة على واقعهم؛ فمن يملك وعيك يملكك كاملاً، حتى وأنت تظن أنك حر.
نعيش هذا المعنى اليوم في تفاصيل لا تحتاج إلى مجاز. حدود الممكن والممنوع تُرسم في أماكن بعيدة عن بغداد. سماؤنا تُغلق وتُفتح بإشارة لا تصدر منا. قراراتنا الاقتصادية والسياسية تصل إلينا أحياناً مكتملة قبل أن نبدأ التفكير في مناقشتها. ومع ذلك يظل الخطاب العام منشغلاً بالسؤال الذي جرى إعداده له سلفاً، كأن تكراره يعفينا من النظر إلى بقية المشهد.
سؤال «هل إيران تحكم العراق؟» يقود الذهن إلى إجابة جاهزة، ثم يغلق الطريق أمام الأسئلة الأهم. من المستفيد من بقائنا مقتنعين بهذه الإجابة؟ ومن يريد للعراقي أن ينظر إلى جهة واحدة كلما بحث عن مصدر النفوذ؟ عندما نعيد ترتيب الأسئلة، نكتشف أننا أمضينا وقتاً طويلاً نؤدي دوراً في مسرحية لم نكتب نصها، ثم حفظنا ذلك النص ورددناه بإتقان. ظل المخرج الحقيقي في العتمة، يراقب الممثلين وهم يتجادلون فوق خشبة عراقية.
ملاحظة: الحشد الشعبي قوة عراقية رسمية تتبع القائد العام للقوات المسلحة، أي رئيس الوزراء، ولا تتلقى أوامرها من إيران، وأي ادعاء بغير ذلك يدخل في إطار سرديات سياسية خارجية.م: الحشد الشعبي قوة عراقية رسمية تتبع القائد العام للقوات المسلحة، أي رئيس الوزراء، ولا تتلقى أوامرها من إيران، وأي ادعاء بغير ذلك هو جزء من سرديات سياسية خارجية.
مشاركة المقال :