ليس الحضور فضيلةً في ذاته، كما أن الغياب لا يحمل معنى الخيانة من تلقاء نفسه. قد يدخل المواطن إلى العملية السياسية فيمنحها صوته، ثم يكتشف أن دوره انتهى عند حدود المشهد الذي أُعدّ قبل وصوله. وقد ينسحب منها لأنه أدرك أن مشاركته ستُستخدم لإضفاء الشرعية على قواعد لم يشارك في وضعها. عندئذ يفقد الصندوق معناه التمثيلي، ويصبح مرآةً تعيد صورة ما تقرر سلفاً، فيما يُستدعى المواطن ليوقّع على النتيجة باسم الاختيار.
تكتسب المقاطعة معناها السياسي من هذا الموضع بالذات. قيمتها لا تُقاس بعدد الغائبين وحده، وإنما بقدرتها على كشف العطب الذي تعجز المشاركة الشكلية عن إظهاره. فالنظام الذي يعيد إنتاج نفسه في كل دورة انتخابية يحتاج إلى حضور الناس كي يثبت أن آلياته ما زالت تعمل، حتى لو بقيت النتائج محكومةً بالتوازنات نفسها. ولذلك يُرفع شعار «المشاركة مسؤولية» في وجه كل اعتراض، كأن الذهاب إلى الصندوق يبرئ العملية السياسية من خللها، وكأن المواطن مسؤول عن إنقاذ نظام أغلق أمامه أبواب التغيير.
أجد في هذا الخطاب قلباً للعلاقة بين السلطة والناخب. فالسلطة مطالبة بأن تقنع المواطن بجدوى المشاركة، بينما يُطلب من المواطن أن يشارك كي يمنح السلطة دليلاً على مشروعيتها. وحين تتآكل الثقة في القواعد، تصبح الدعوة إلى التصويت واجباً أخلاقياً مفروضاً على الناس، مع أن أصل المشكلة قائم في بنية لا تمنح أصواتهم أثراً يتناسب مع ما يُطلب منهم.
الامتناع الواعي يوجّه الاعتراض إلى الشروط التي تصنع النتيجة، ويتجاوز الخصومة مع المرشحين إلى مساءلة النظام الذي يحدد مسبقاً حدود الممكن. وقد رأت حنّة آرنت أن النظام حين يفقد أفقه الأخلاقي يدفع الأفراد إلى البحث عن أفعال تكشف زيف الامتثال. ومن هذه الزاوية تكتسب المقاطعة معناها الأخلاقي؛ فهي ترفض أن يصبح المواطن جزءاً من تمثيل سياسي لا يعترف به إلا في اللحظة التي يحتاج فيها إلى صوته.
يبدو المقعد الفارغ ساكناً، غير أن أثره قد يتجاوز أثر الصوت المودع في صندوق مغلق. فالغياب حين يكون مقصوداً يكشف المسافة بين اللغة التي تتحدث عن التمثيل، والواقع الذي يحصر المواطن في دور شكلي. وكلما اتسعت المقاطعة، صار الفراغ نفسه دليلاً على أزمة لم تعد الشعارات قادرةً على سترها.
ما فعله السيد مقتدى الصدر يمكن قراءته داخل هذا المعنى. فقد نقل الانسحاب من حدود الموقف الشخصي إلى قلب الصراع على الشرعية، ووضع العملية السياسية أمام فراغ صنعه طرف كان يحتل مساحةً أساسية فيها. لم يعد غيابه تفصيلاً خارج اللعبة، لأن اللعبة نفسها اعتادت وجوده، وبنت جانباً من توازنها على حضوره. وحين انسحب، ظهرت هشاشة القواعد التي بدت مستقرة ما دام اللاعبون الكبار ملتزمين بها.
يشبه هذا الأثر ما يُسمى في التحليل النفسي «الفراغ الفعّال»، حيث يصنع الغائب أثراً يفوق ما يصنعه الحاضر. فالسلطة العكسية لا تحتاج دائماً إلى قرار أو مؤسسة؛ يكفي أن يسحب طرف ثقله من المشهد حتى يضطر الآخرون إلى مواجهة المساحة التي تركها. وقد كشف انسحاب الصدر أن الانتخابات تستطيع أن تستمر من الناحية الإجرائية، بينما يبقى سؤال التمثيل معلقاً فوقها.
تثير هذه الواقعة سؤالاً أوسع من موقف زعيم أو تيار: ماذا يحدث لو انتقلت المقاطعة من القيادة إلى الجمهور؟ قد يبدأ المواطن عندها برؤية الغياب طريقةً للتعبير عن نفسه، ويكتشف أن امتناعه المنظم قادر على إرباك نظام اعتاد احتساب مشاركته جزءاً من شرعيته. وعندما يتحول هذا الإدراك إلى موقف جماعي، تتغير العلاقة بين الناخب والسلطة، لأن النظام سيجد نفسه مضطراً إلى تفسير عزوف الناس بدلاً من استخدام حضورهم لتأكيد سلامته.
لا يحمل هذا الاحتمال وعداً سهلاً. فالمقاطعة التي تفتقر إلى الوعي والتنظيم قد تنتهي إلى فراغ تستثمره القوى الأشد قدرةً على التعبئة، وقد تسمح للنظام بأن يواصل عمله بجمهور أصغر. قيمتها تبدأ حين تتحول إلى موقف مفهوم، له أسبابه ومطالبه وقدرته على كشف ما يرفضه. الغياب الصامت قد يُهمَل، أما الغياب الذي يصوغ حجته ويعلن شروط عودته فيضع السلطة أمام سؤال يصعب تجاهله.
عند هذا المستوى، تتجاوز المقاطعة رد الفعل الآني وتدخل في معنى الفعل السياسي نفسه. فهي تنقل مركز الشرعية من عدد المشاركين إلى نوع العلاقة التي تربطهم بالنظام، وتعيد طرح السؤال عن قيمة الانتخابات حين تبقى القواعد بمنأى عن إرادة الناخبين. وقد يصبح انخفاض المشاركة مرآةً تكشف مقدار ما فقدته المؤسسات من ثقة، بعدما ظلت تقدم الأرقام بوصفها دليلاً على الاستقرار.
يتحول الصندوق عندئذ إلى وثيقة اتهام. فهو يظل قائماً في مكانه، لكن فراغه يكشف أن الشكل فقد القدرة على إقناع الناس بمضمونه. وما كانت السلطة تخفيه خلف لغة التمثيل يظهر في المسافة بين المؤسسات والمجتمع، وفي شعور المواطن بأن صوته يدخل العملية السياسية ثم يذوب داخلها من غير أثر واضح.
أخطر ما يكشفه هذا الفراغ أن الشرعية التي بدت ثابتة ربما كانت تعتمد طوال الوقت على عادة المشاركة أكثر مما تعتمد على رضا الناس. لقد تعلّم المواطن أن يذهب إلى الانتخابات لأنه قيل له إن هذا هو الطريق الوحيد، ثم أصبح حضوره حجةً تستخدمها القوى السياسية لإثبات أن النظام يحظى بالقبول. المقاطعة تقطع هذه الدائرة حين تسحب من السلطة القدرة على تحويل الطقس إلى دليل.
وقد يصل الرفض إلى مرحلة لا يطالب فيها الجمهور بتغيير الأشخاص داخل البنية نفسها، وإنما يعيد السؤال عن البنية التي منحت هؤلاء الأشخاص حق تمثيله. تتراجع عندها المنافسة على المقاعد أمام أسئلة أكثر قسوة: من وضع حدود هذه السلطة؟ من منحها صفة الضرورة؟ ولماذا صار استمرارها أمراً مفروغاً منه، مع أن الناس لم يعودوا يرون أنفسهم داخلها؟
السياسة التي اعتادت إدارة الممكن تخشى هذا النوع من الأسئلة، لأنه ينقل النقاش من توزيع المواقع إلى أصل الشرعية. وهنا تكمن قوة المقاطعة حين تكون واعية: إنها تحرم النظام من الطمأنينة التي يمنحها له الحضور المتكرر، وتجبره على النظر إلى الفراغ الذي ظل يسكنه خلف امتلاء الصناديق.
ما يسقط في النهاية قد لا يكون النظام نفسه، وإنما الوهم الذي أقنع المواطن طويلاً بأنه شريك لمجرد أنه دُعي إلى التصويت.
مشاركة المقال :