تتبدل مواقع الناس في السياسة بسرعة تثير الحيرة، فيجلس الرجل اليوم في موضع العدو، ثم يعود بعد أعوام إلى الطاولة نفسها وقد صار شريكاً تجري معه المفاوضات وتُعقد به الصفقات. الجمهور يتعامل مع الخصومة كما لو كانت حكماً أخلاقياً ثابتاً، بينما تحفظها السلطة في ملفاتها بوصفها وضعاً مؤقتاً يتغير مع تغير الحاجة. ولهذا تستبدل الأسماء والصفات من غير أن يستبدل أصحابها؛ فالمتمرد يصبح ممثلاً لطرف سياسي، والمطلوب للملاحقة يتحول إلى رجل يمكن التفاهم معه، والخطر الذي ملأ نشرات الأخبار يجد له مقعداً حين يحين موعد استعماله.
ينشأ هذا التحول من طبيعة السياسة نفسها، إذ تقيس خصومها بقدرتهم على الدخول في حساباتها. يبقى العدو عدواً ما دام خارج السيطرة، وتبدأ صورته في التغير حين يصبح استيعابه ممكناً. عندئذ تعيد السلطة فحصه كما يفحص التاجر بضاعة كان يرفضها، ثم يكتشف أن السوق أصبحت بحاجة إليها. وقد تبقى صفاته القديمة كما هي، ويبقى تاريخه محفوظاً في الأرشيف، غير أن مكانه الجديد يمنح تلك الصفات تفسيراً آخر ويجعلها قابلةً للاحتمال.
يسمي الناس هذا الأمر مصالحةً في بعض الأحيان، مع أن ما يجري أقرب إلى الترويض السياسي؛ فالخصم يدخل النظام ضمن شروط تضبط حركته وتحدد وظيفته، وتتحول قوته التي كانت تهدد السلطة إلى أداة تعمل في خدمتها. الدولة الخبيرة لا تهدر عدواً يمكن استخدامه، لأنها ترى في قدرته على التأثير قيمةً عملية قد تفوق قيمة الطاعة التي يقدمها رجل ضعيف. وما دام هذا الخصم قد تعلّم حدود المكان الجديد، فإن ماضيه يصبح أقل إزعاجاً، وتبدأ شرعيته من اللحظة التي يثبت فيها نفعه.
تستطيع السلطة أن تمنحه هذه الشرعية من غير أن تمحو سجله، فهي تحتفظ به في الأدراج وتتركه بعيداً عن التداول ما دام ملتزماً بالدور المرسوم له. تشبه ملفات الإدانة في هذه الحال حبلاً طويلاً تمنحه الدولة للرجل كي يتحرك، ويبقى طرفه الآخر في يدها. فإذا ابتعد عن المسار شدّت الحبل وذكّرته بما ظن الناس أنه نُسي. ولهذا تبدو بعض المصالحات السياسية غريبةً لمن يراها من الخارج؛ إذ يظن أن الدولة غفرت، بينما تكون قد أجّلت العقوبة وحوّلتها إلى وسيلة للضبط.
والرجل العائد إلى الطاولة يفهم هذه القاعدة غالباً، فيغير زاوية وقوفه ويترك للسلطة مهمة تغيير اسمه أمام الجمهور. كانت تصفه في الأمس بالمجرم أو الخائن أو المهدد للأمن، ثم تكتشف فيه اليوم قدراً من الواقعية يجعله مناسباً للمرحلة. تنتقل الصفات القديمة إلى الظل، وتظهر على الشاشة عبارات جديدة عن الحوار والاستقرار وفتح الفرص، ويتلقى الجمهور هذه اللغة كما لو أنه يسمع عن شخص آخر.
يساعد الجمهور نفسه في إتمام هذا التحول، لأنه اعتاد أن يأخذ تعريف الأشخاص من الجهة التي تملك المنبر. يكره الرجل حين تصدر الإشارة بكراهيته، ثم يبدأ في اكتشاف مزاياه حين تتغير الإشارة. وقد يحتاج هذا الانتقال إلى أيام قليلة، فالصورة السياسية سريعة الذوبان، والذاكرة العامة مشغولة دائماً بخبر أحدث. وما دام الخطاب الجديد قد صدر من المكان نفسه الذي صنع الإدانة القديمة، فإن كثيرين يستقبلونه بالثقة نفسها.
تمنح هذه الطاعة للصورة السلطة قدرةً واسعة على إعادة تدوير خصومها. فهي تعرف أن الجمهور سيجد لكل تحول تفسيراً ما دام التفسير يحمل كلمات من نوع «المصلحة الوطنية» و«ضرورات المرحلة». وتدخل البراغماتية هنا كممر مختصر يعبر منه الرجل من لائحة الاتهام إلى قاعة الاجتماعات، من غير أن يمر باعتذار أو مراجعة أو تفسير لما فعله. تكفيه صفقة جيدة وموقع صالح للاستعمال، ثم تتولى اللغة الرسمية تنظيف الطريق أمامه.
قد يبدو هذا التغيير نهايةً للصراع، لكنه في الحقيقة يفتح للخصم دوراً جديداً داخله. كان يعمل خارج النظام ويضغط عليه من الأطراف، ثم صار جزءاً من آلته يؤدي الوظائف التي تتطلبها المرحلة. وربما احتاجت السلطة إلى سمعته القديمة نفسها، لأن الرجل الذي أخاف جماعةً في الأمس يستطيع اليوم أن يضبطها، والذي عرف طرق التمرد يستطيع أن يغلقها، والذي قاد أنصاره ضد الدولة يملك القدرة على إقناعهم بالدخول تحت سقفها.
لهذا تحرص الأنظمة على استبقاء بعض خصومها، فالقضاء عليهم ينهي الخطر وينهي معه الفائدة الكامنة فيه. أما ترويضهم فيحوّل الخطر إلى طاقة سياسية يمكن توجيهها. يشبه الأمر حيواناً برياً يحتفظ بقوته بعد دخوله القفص، ويصبح وجوده نافعاً ما دام الحارس يعرف كيف يغلق الباب. وقد تمنحه السلطة مساحةً للحركة كي يحافظ على تأثيره أمام أتباعه، لأن الخصم الذي يفقد هيبته يفقد قيمته معها أيضاً.
تتغير الصورة تبعاً لهذا الاستخدام، فيظهر من كان مهدداً للأمن بوصفه ضامناً له، ويُقدَّم الرجل الذي كان سبباً للفوضى على أنه القادر على احتوائها. لم يحتج الأمر إلى تحول عميق في شخصيته، إذ تكفي إعادة توزيع المواقع حتى تتغير الأوصاف. السياسة تنظر إلى الرجل من مكانه في ميزان القوى، وحين يتحرك هذا المكان تتحرك معه الرواية التي تشرح وجوده.
وقد أدرك ميكافيلي هذه الطبيعة مبكراً عندما نظر إلى الحكم بوصفه معرفةً بالناس ومقدار ما يمكن استخراجه منهم. فالحاكم الماهر يميز بين خصم يهدد بقاءه وخصم يستطيع أن يحوله إلى أداة، ويعرف أن العقوبة ليست الوسيلة الوحيدة لحماية السلطة. قد تؤدي الدعوة إلى المائدة ما تعجز عنه الحرب، لأن الخصم حين يدخل في الصفقة يربط مصيره باستمرارها، ثم يبدأ في حراسة النظام الذي كان يقاومه.
يصل الترويض إلى غايته حين يدافع العدو السابق عن الموقع الذي منحه إياه الحكم، فهو يدرك أن سقوط النظام أو تغير التوازن قد يعيده إلى ملفه القديم. عندها يصبح التزامه أشد من التزام الحليف العادي، لأن الحليف يملك تاريخاً آمناً، فيما يعيش الخصم المروّض تحت ظل ماضٍ قابل للاستدعاء. وكلما ازدادت حاجته إلى حماية موقعه، قدم للسلطة ما يثبت فائدته.
ما يجري في المنطقة خلال هذه الأيام يقدم صوراً كثيرةً لهذا المنطق؛ أبواب تُفتح أمام رجال ظلوا سنوات هدفاً للملاحقة، وأيدٍ تمتد إليهم باسم الاستقرار، وخطابات تعيد تعريفهم بعد أن فرغت الصفقات من ترتيب مواقعهم. من يتابع اللغة وحدها قد يظن أن مراجعةً أخلاقية حدثت، غير أن حركة المصالح تكشف أن القوى أعادت حساب الكلفة والفائدة، فظهر العدو في المكان الذي صار وجوده فيه أكثر نفعاً.
تدور السياسة بهذه الطريقة لأنها تتعامل مع الأشخاص وفق الوظيفة التي يستطيعون أداءها في اللحظة المناسبة. تضع الرجل في خانة الخطر حين يعطل خطتها، وتنقله إلى خانة الشراكة حين يدخل فيها، ثم تحتفظ بالملفين معاً كي تستخدم ما يلائم المرحلة. وقد يعود الحليف إلى موقع العدو إذا خرج عن الدور، كما يستطيع العدو أن يثبت فائدته فيعود إلى الطاولة من باب واسع.
أما الجمهور فينشغل غالباً بالسؤال عن براءة الرجل أو إدانته، مع أن السلطة تكون قد تجاوزت هذا السؤال منذ البداية. ما يعنيها هو مقدار ما يضيفه إلى ميزانها، وقدرته على تنفيذ المطلوب، والحد الذي تستطيع أن تضبطه عنده. فالسياسة لا تمنح صكوك الغفران، وإنما توزع المواقع، ومن يعود إليها يعود لأن الحاجة فتحت له الطريق، ولأن اليد التي كانت تشير إليه بوصفه عدواً وجدت أن استعماله صار أجدى من مطاردته.
مشاركة المقال :