حين يُحكى عن إيران، تختصرها الرواية الشائعة في عمامة تحكم ودولة يتحرك قرارها من داخل الفقه. تبدو الصورة مكتملة من بعيد، ثم تتشقق عند أول محاولة لفهم الطريقة التي تعمل بها هذه الدولة، لأن الهيمنة الدينية وحدها لا تفسر استمرارها، ولا تكشف كيف حافظت على تماسكها وسط العقوبات والصراعات التي عاشتها طوال العقود الماضية.
وراء العمامة بناء سياسي واسع تتوزع فيه القوة بين مؤسسات تملك كل واحدة منها مجالاً من النفوذ. يحتل المرشد الأعلى موقعاً مركزياً، فيما تتحرك الرئاسة داخل مساحة تنفيذية مؤثرة، ويصوغ مجلس الشورى القوانين قبل أن تمر على مجلس صيانة الدستور، ويفرض الحرس الثوري ثقله في الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. أما التيارات الإصلاحية فتعمل من داخل هذه البنية، وتدفع حدودها كلما سنحت لها فرصة. حتى مدينة قم، التي تبدو من الخارج مركزاً دينياً واحداً، تضم مرجعيات تختلف في اجتهاداتها وعلاقتها بالحكم، وتبقى النجف حاضرةً في هذا المجال بوصفها مرجعية شيعية تحمل تصوراً آخر لموقع الفقيه من الدولة.
تعيش إيران بهذا التعدد منذ قيام الجمهورية الإسلامية، وقد تعلم نظامها أن يحوّل تنازع المؤسسات إلى طريقة في الحكم. تتقدم قوة فتحدها قوة أخرى، ويتسع نفوذ مؤسسة ثم تواجهها حدود ترسمها المصالح الداخلية. تبقى الكلمة العليا ضمن الإطار الذي يحفظ النظام، بينما تجري تحته مساومات يومية تعيد توزيع القرار وتحدد مقدار ما يستطيع كل طرف أن يفعله.
دخلت ولاية الفقيه نفسها في هذه الحركة. فقد بدأت اجتهاداً سياسياً حمله الخميني إلى الدولة، ثم خضعت لتفسيرات فرضتها حاجات الحكم وتغيرات المجتمع. يستدعي النظام الفقه حين يمنحه غطاءً شرعياً، ويجد له تأويلاً مرناً حين تضغط ضرورات الاقتصاد والسياسة. ومن يتابع القرارات الإيرانية يلمس حضور المصلحة إلى جانب النص، ويجد الخطاب الديني ممتزجاً بالقومية الإيرانية وذاكرة المظلومية وفكرة المقاومة.
هذا الامتزاج هو الذي يسمح للسلطة بأن تخاطب جماعات مختلفة بلغة واحدة ظاهرياً، مع أن كل جماعة تسمع منها معنى يلائمها. يجد المتدين فيها حمايةً للعقيدة، ويرى القومي امتداداً لقوة إيران التاريخية، ويتعلق أنصار المقاومة بصورة الدولة التي تتحدى الهيمنة الغربية. تتجمع هذه المعاني داخل خطاب واحد، ثم تستخدمها السلطة بحسب الظرف الذي تواجهه.
المجتمع الإيراني أضاف إلى هذا البناء طبقة أشد تعقيداً. المدن الكبرى تضم أجيالاً متعلمةً وشابةً تعيش داخل الدولة وتضغط على حدودها في الوقت نفسه. يظهر ذلك في النقاشات الجامعية، وفي الكتب، وفي الفنون، وفي الموقف من الحجاب. القانون يفرض شكلاً من الحياة العامة، بينما ينتج المجتمع أشكالاً يوميةً للمقاومة والتفاوض، حتى صار الشارع نفسه مجالاً تختبر فيه السلطة مقدار قدرتها على الضبط.
المثقف الإيراني يتحرك غالباً من داخل ثقافته، ويفكك مفاهيمها بلغتها وأدواتها. تظهر في كتاباته دعوات إلى مراجعة موقع الدين في الدولة، وإلى إبقاء أثره الروحي والرمزي ضمن حياة المجتمع، مع إعادة النظر في سلطته على التشريع والسياسة. وتصل هذه المناقشات أحياناً إلى أسس الحكم نفسه، ثم تجد طريقها إلى الجامعات والكتب والحوارات العامة بدرجات تختلف بحسب الظروف السياسية.
أدركت السلطة منذ وقت مبكر أن إغلاق المجال الثقافي كلياً سيزيد الاحتقان، فتركت منافذ تسمح بالتعبير داخل حدود متحركة. تتسع هذه الحدود في مرحلة، ثم تضيق حين تشعر الدولة بخطر سياسي. ومن داخل هذه المساحة خرج أصغر فرهادي بأفلام تكشف صراع الأخلاق داخل المجتمع الإيراني، وتعرض الإنسان وهو يواجه القانون والعائلة والضمير في وقت واحد. وخرج عباس كيارستمي بلغة سينمائية هادئة جعلت الإشارة تحمل ما تعجز العبارة المباشرة عن قوله.
يصعب فصل جمال السينما الإيرانية عن القيود التي أحاطت بها، فقد دفعت الرقابة المبدعين إلى تطوير لغة تتسلل من بين المحظورات وتترك للمتلقي مهمة إكمال المعنى. نشأت بذلك ثقافة تعرف كيف تقول ما تريد من طريق الالتفاف، فتحولت القيود نفسها إلى جزء من تكوينها الفني. السلطة تحاصر التعبير، والتعبير يغيّر شكله كي يعبر، ثم تعود السلطة إلى تعديل حدودها أمام الأسلوب الجديد.
هذه القدرة على التكيف تظهر أيضاً في الصناعة والإدارة. فقد حافظت إيران، رغم العقوبات الطويلة، على قطاعات في الطاقة والنقل والصناعة والبحث العلمي والبرنامج النووي. احتاج ذلك إلى جهاز إداري يملك خبرةً متراكمة، وإلى كفاءات تقنية قادرة على إدارة مؤسسات واسعة تحت ضغط نقص الموارد والعزلة الدولية. يعمل هذا العقل التقني تحت السطح الذي يغطيه الخطاب السياسي والديني، ويمنح الدولة قدرتها على الاستمرار حين تتعثر قنوات الاستيراد والتمويل.
من يختزل إيران في الخطب يغفل هذه الطبقة العملية التي تدير المصانع والمختبرات وشبكات الطاقة والمؤسسات. فالخطاب يعبئ الجمهور ويصنع الشرعية، بينما تحتاج الدولة في حياتها اليومية إلى مهندسين وإداريين وخبراء يعرفون كيف تبقى المنشآت عاملةً، وكيف تُدار الموارد في ظل الحصار. وقد ساعد هذا الفصل النسبي بين لغة التعبئة وعمل الإدارة على حماية جانب من مؤسسات الدولة من الاضطراب السياسي المستمر.
أرى أن الدين في إيران يؤدي وظيفةً أوسع من الحكم المباشر. فهو يمنح السلطة قاموسها ورموزها وطقوسها، ويدخل في تشكيل صورتها أمام المجتمع والعالم. ثم تتحرك القرارات داخل شبكة من المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية والتوازنات الإقليمية. لهذا يستطيع النظام أن يتحدث بلسان العقيدة، ثم يتصرف بمرونة حين تفرض المصلحة مساراً آخر، من غير أن يشعر بالحاجة إلى إعلان هذا التحول صراحةً.
هذه المرونة تفسر جانباً من استمرار الدولة، لأن النظام الإيراني تعلّم أن يحافظ على رموزه مع تعديل استخداماتها. يبقى الشعار ثابتاً، وتتغير السياسة تحته بحسب الضغط والحاجة. وقد تبدو بعض مواقفه متناقضةً لمن يقرأها من خلال النص وحده، فيما تبدو مفهومةً حين توضع داخل حسابات البقاء والنفوذ وإدارة المجتمع.
حتى الخلاف بين التيارات الإيرانية يتحرك ضمن هذه الحدود. الإصلاحي يريد توسيع المجال العام وتخفيف القبضة الاجتماعية، والمحافظ يخشى أن يؤدي ذلك إلى إضعاف النظام، والحرس الثوري ينظر إلى المسألة من زاوية الأمن والنفوذ، فيما يطالب المجتمع بمساحة أوسع للحياة. كل طرف يدفع في اتجاهه، وتخرج القرارات من حصيلة هذا الاحتكاك.
لهذا يستمر الصراع داخل إيران من دون أن يتحول كل مرة إلى انهيار شامل. فالنظام يملك قدرةً على امتصاص جانب من الاعتراض، ويمنح بعض التيارات فرصةً للعمل، ثم يستعيد القبضة حين يشعر بأن الحركة تجاوزت الحدود المقبولة. أما المجتمع فقد تعلم بدوره كيف يوسع حياته اليومية داخل المساحات الصغيرة، وكيف يحول السلوك العادي إلى نوع من التفاوض مع السلطة.
قد تبدو هذه العلاقة غريبة لمن ينتظر دولةً يحكمها مركز واحد ويطيعها الجميع. الواقع أقرب إلى شدّ مستمر تعيد فيه المؤسسات والمجتمع تحديد مواقعها. المرشد يضع السقف العام، وتتحرك القوى تحته، فيما يضغط الشارع على هذا السقف من حين إلى آخر. يتراجع النظام خطوةً في بعض الملفات، ويشدد قبضته في ملفات أخرى، ثم يعيد تقديم ما حدث بلغة تحفظ صورة الثبات.
تستمد إيران جانباً من بقائها من هذه الحركة الداخلية. فالقوى التي تتنازع القرار تحد بعضها، والمؤسسات التي تختلف في الوسائل تلتقي عند حماية الدولة، والمجتمع الذي يعترض يظل جزءاً من المجال الذي تستمد منه البلاد طاقتها الثقافية والعلمية. يعيش الجميع داخل صراع يومي يحمل قدراً من الضغط، ويمنع في الوقت نفسه انفراد جهة واحدة بكل تفاصيل الحياة.
من بعيد، تبدو العمامة قادرةً على تفسير كل شيء. أما الاقتراب من إيران فيكشف دولةً تختبر نفسها داخل مؤسساتها وشوارعها وجامعاتها ومراجعها الدينية. كل قوة تحاول دفع البلاد نحو صورتها الخاصة، ثم تصطدم بقوى أخرى تفرض عليها التفاوض والتراجع وإعادة الحساب.
إيران التي نراها اليوم خرجت من هذا الصراع الطويل. تحكم نفسها وهي تقاوم نفسها، وتحافظ على وحدتها من خلال توتر يكاد يصبح جزءاً من نظامها السياسي. ومن يكتفي بصورة العمامة سيرى رمز السلطة، ويفوته المجتمع والدولة والقوى التي تتحرك تحتها.
مشاركة المقال :