سيلفي مع نيتشه


سيلفي مع نيتشه

تزدحم حياتنا اليوم بمظاهر توحي باتساع الوعي؛ كتب تتكاثر على الرفوف، وندوات تتوالى، وشاشات تستدعي أسماء الفلاسفة، ومصطلحات ثقيلة تتحرك بين الألسنة بخفة غريبة، حتى يبدو المشهد كله كأنه صحوة فكرية واسعة. غير أن هذا الازدهار يترك خلفه ريبة يصعب تجاهلها، لأن كثرة العلامات الثقافية لا تكشف وحدها مقدار ما دخل منها إلى الإنسان، وقد تكون الثقافة قد غادرت موضعها القديم في فهم الذات لتدخل في صناعة صورتها أمام الآخرين.

يختار المرء كتاباً يضعه قرب فنجان قهوته، وينتقي اقتباساً يلائم منشوره، ويستدعي اسم فيلسوف يمنح كلامه ثقلاً سريعاً، ثم يعرض هذه العناصر كما يعرض سائر تفاصيل حضوره. تتجمع هذه الممارسات الصغيرة حتى تصنع هيئة كاملة للمثقف المعاصر، فيغدو الكتاب جزءاً من الصورة، والاقتباس علامة على الذوق، وحضور الندوة دليلاً اجتماعياً يثبت أن صاحبه كان هناك.

هذا الحضور أخذ يزاحم التجربة نفسها. فالمشارك يصل إلى الندوة وفي ذهنه المكان الذي سيلتقط فيه صورته، ويخرج منها ومعه مادة للنشر أكثر مما معه من أسئلة، كما يكتب أحدهم عن فيلم قبل أن يتركه يستقر في وعيه، أو يضع عبارة من «ما وراء الخير والشر» وسط حديث عابر عن العلاقات. تتحول الثقافة في هذه الحال إلى واجهة مرتبة بعناية، ويصبح أثرها في الداخل أقل حضوراً من الطريقة التي تظهر بها في الخارج.

حتى أسماء الفلاسفة دخلت في هذا الترتيب الجديد. نيتشه وفولتير وماركس وبودريار يمرون في المنشورات كما تمر أسماء المؤثرين، وتتحول أفكارهم إلى إشارات ذكية ترفع قيمة النص أمام الجمهور. يحمل الاسم معه هيبته التاريخية، فيمنح العبارة مظهراً من العمق قبل أن يبدأ القارئ في فهم معناها، ثم ينتهي الأمر إلى تداول واسع للأسماء مع علاقة خفيفة بالأفكار التي صنعتها.

وهذه الخفة لا تتوقف عند الاقتباس، لأنها تمتد إلى القراءة نفسها. الكتاب الذي كان يحتاج إلى عزلة وصبر وقلق داخلي صار يدخل أحياناً في سجل الإنجازات، فيُقاس بعدد الصفحات والعناوين التي اكتملت خلال الشهر أو العام. ينتقل القارئ من كتاب إلى آخر بسرعة تحفظ له شعور الحركة، بينما تحتاج الفكرة إلى زمن أبطأ كي تتغلغل في عاداته وتعيد ترتيب نظرته إلى نفسه والعالم.

القراءة التي تمس الإنسان تترك فيه شيئاً من الاضطراب، لأنها تدخله في مواجهة مع يقين قديم، أو تكشف له ضعفاً في فكرة عاش مطمئناً إليها. لهذا كان الكتاب الثقيل يظل مع صاحبه بعد إغلاقه، ويعود إليه في موقف آخر، وقد يغيّر حكماً أو يربك اختياراً أو يعيد فتح سؤال ظن أنه تجاوزه. أما الكتاب الذي يدخل في سباق العدد، فيمر سريعاً ويترك مكانه لعنوان جديد قبل أن يجد أثراً مستقراً في الذاكرة.

وسائل التواصل منحت هذا الإيقاع بيئته المناسبة، إذ صار الكتاب يظهر في الصورة قبل أن يأخذ مكانه في الوعي، وصارت منصات القراءة تسجل الحركة وتعرضها أمام الآخرين. تأتي المراجعات قصيرة وحادة، ويحصل الكتاب على إعجاب كامل أو رفض كامل خلال كلمات قليلة، بينما تحتاج القراءة الجادة إلى مساحة تحتمل التردد والحيرة وتبدل الرأي. هذه الحالات البطيئة لا تنسجم مع منصة تطلب موقفاً سريعاً وصورة واضحة وانفعالاً قابلاً للمشاركة.

لهذا يمر الكتاب أحياناً في «ستوري» تختفي بعد أربع وعشرين ساعة، وكأن عمر الفكرة صار تابعاً لعمر المنشور. يلتقط القارئ الغلاف، يكتب جملة سريعة، ثم ينتقل إلى كتاب آخر أو حدث آخر، فتتحول التجربة الثقافية إلى سلسلة من الإشارات المتلاحقة. يبقى منها السطح القابل للعرض، بينما تحتاج الطبقات الأعمق إلى صمت طويل لا توفره الحياة التي تقيس حضور الإنسان بمدى نشاطه أمام الجمهور.

المشهد لا يصنعه الأفراد وحدهم، لأن السوق تعلم منذ زمن كيف يستوعب الأفكار التي كانت تقلقه. هربرت ماركوزه تحدث عن هذه القدرة حين شرح الطريقة التي تتحول بها الأفكار الثورية إلى منتجات مألوفة، فيفقد المفكر جانباً من خطورته بعد أن يصبح علامة تجارية، ويتحول الكتاب الذي كان يوقظ القلق إلى قطعة أنيقة في مكتبة مصممة بعناية.

نيتشه نفسه يكشف هذا التحول بوضوح. الرجل الذي قضى حياته في مهاجمة الأقنعة والقيم الجاهزة صار اسمه جزءاً من أقنعة جديدة، وتحوّلت بعض عباراته إلى مواد تحفيزية تستخدم في منشورات سريعة. وماركس الذي بنى نقداً واسعاً للرأسمالية يظهر وجهه على قميص فاخر، فيما يدخل بودريار، صاحب حديث المحاكاة، في محاكاة أخرى تحمل اسمه وتستهلكه بالطريقة نفسها التي وصفها.

تنجح السوق في هذه العملية لأنها تحتفظ بصورة الفكرة وتسحب منها حدتها. يبقى الاسم معروفاً، والغلاف جذاباً، والاقتباس متداولاً، ثم يصبح كل ذلك قابلاً للبيع من غير أن يهدد العادات التي كان الفكر يريد زعزعتها. وهكذا تتحول الثقافة إلى شيء مريح، يمنح صاحبه إحساس القرب من الأسئلة الكبرى، ثم يسمح له بالعودة إلى حياته من غير أن يغيّر فيها شيئاً.

يظهر أثر هذا التحول في اللغة التي يتحدث بها الناس عن أنفسهم. تتسع المفردات، وتكثر الإحالات، ويزداد حضور أسماء الفلاسفة، بينما يبقى إنتاج الموقف الشخصي مهمة مؤجلة. يسهل على المرء أن يعيد صياغة كلام قرأه، وأن يربط تجربته باقتباس معروف، وأن يقدم نفسه من خلال مكتبة الآخرين، أما بناء فكرة تخصه فيحتاج إلى وقت وتجربة واحتكاك لا تمنحهما القراءة السريعة.

بهذا تنمو صورة ثقافية واسعة حول الإنسان، وقد يعتادها حتى يراها جزءاً من حقيقته. يشعر أنه يفكر لأنه يقرأ، وأنه يعي لأنه يقتبس، وأنه يعيش تجربة ثقافية لأنه يحضر الفعاليات ويتابع الإصدارات الجديدة. تمنحه هذه الصورة راحة مبكرة، وتجعله أقل حاجة إلى مراجعة عمق علاقته بما يقرأ، لأن الاعتراف الاجتماعي وصل قبل أن تكتمل التجربة الداخلية.

المجتمع الذي يكثر فيه تداول الكتب قد يكتسب مع الوقت لغة كاملة للوعي، فيتعلم كيف يتحدث عن الحرية والهوية والعدالة والاغتراب، ويستخدم هذه المفاهيم في النقاشات اليومية. غير أن اللغة تستطيع أن تعمل كقناع بالغ الذكاء حين تنفصل عن السلوك، فيصبح المرء قادراً على شرح القيم التي لا يمارسها، وعلى الدفاع عن أفكار لم تدخل في علاقته بالناس أو نظرته إلى نفسه.

عند هذه الدرجة، تتحول الثقافة إلى طريقة أنيقة للاستهلاك. يختار الإنسان منها ما ينسجم مع صورته، ويضع جانباً ما يربكها، ثم يعرض النتيجة كما يعرض اختياراته في الملابس والأماكن والموسيقى. ومع تكرار هذا الانتقاء، تصبح المعرفة غلافاً ناعماً يحيط بالذات، وتؤدي وظيفتها في التزيين أكثر مما تؤديها في التغيير.

يمكن عندئذ تخيل نيتشه جالساً في مقهى حديث، وحوله أشخاص يحملون كتبه ويلتقطون الصور معها، فيما ينتقل اسمه بين الحسابات أسرع من انتقال فكرته بين العقول. سيبدو حضوره واسعاً، وستحظى صورته بآلاف المشاهدات، ثم يبقى سؤاله القديم عن الأقنعة قائماً وسط وجوه تستخدمه قناعاً جديداً.

الثقافة التي تترك أثراً حقيقياً تُرى في طريقة الإنسان قبل أن تُرى في مكتبته. تظهر في بطء حكمه، وفي حذره من اليقين، وفي قدرته على الاعتراف بما يجهله، وفي استعداده لأن يراجع نفسه حين تصطدم فكرته بالحياة. هذه التحولات تنمو في الداخل بهدوء، وتحمل قيمة أكبر من كل صورة تثبت حضور صاحبها قرب كتاب.

وحين تستبدل المجتمعات هذا الأثر بمحاكاته، يزداد انتشار الثقافة وتضعف قدرتها على التحويل. تمتلئ الرفوف، وتتسع الندوات، وتكثر الاقتباسات، ويصبح كل شيء جاهزاً ليقول إن الوعي حاضر، بينما يظل الإنسان واقفاً أمام صورته الثقافية، منشغلاً بإتقانها، وقد أخذت منه المسافة التي كان يحتاجها كي يفكر فعلاً.



مشاركة المقال :