مقال اصطناعي للبيع


مقال اصطناعي للبيع

لم يخدعنا الذكاء الاصطناعي، فقد جاءنا واضحاً منذ البداية: آلة تنفذ ما نطلبه منها، تجمع اللغة وتعيد ترتيبها، وتنتج نصاً بحسب التعليمات التي توضع أمامها. الخديعة بدأت حين قرر بعض الكتّاب أن يسلموا لها ما كان يمنح الكتابة معناها، ثم تصرفوا كأن الآلة انتزعت منهم شيئاً قاوموا من أجله. الإبداع لم يُسلب بالقوة، وإنما تُرك على الطاولة ومضى صاحبه يبحث عن أقصر طريق إلى نص جاهز.

تكمن الخطورة في الكاتب الذي صار يطلب من البرنامج أن يفكر مكانه، وأن يصوغ له موقفاً لم يعشه، وأن يمنحه لغةً تصلح للنشر من دون أن يمر بتجربة الكتابة نفسها. تظهر النتيجة مرتبةً ولامعةً، تحمل علامات النص المكتمل، ثم تترك قارئها أمام فراغ لا يخطئه من عرف كيف تولد الفكرة وكيف تنمو داخل صاحبها. يشبه الأمر سلعةً رخيصةً صُنعت بعناية في غلافها، بينما بقي ما في داخلها بلا طعم ولا أثر.

عرفت الكتابة على صورة أخرى؛ فكرة واحدة قد تظل معي شهوراً، تدخل في قراءاتي، وترافقني في الليل، وتعود إليّ كلما ظننت أنني فرغت منها. أكتب الجملة ثم أهدمها، وأغيّر موضع الكلمة، وأترك النص أياماً كي أراه بعين أبعد، إلى أن تستقر العبارة في مكانها وتصبح قادرةً على حمل ما أردت قوله. هذه المعاناة جزء من الكتابة نفسها، لأنها تصنع الفكرة أثناء صياغتها، وتكشف للكاتب ما كان خفياً عليه قبل أن يبدأ.

من عاش هذا النوع من العمل يعرف أن النص يتكوّن من حضور صاحبه فيه، من نظرته إلى العالم، ومن الأشياء التي آلمته وأربكته ودفعته إلى السؤال. تستطيع الآلة أن تنتج جملاً سليمةً، وأن تحاكي إيقاعاً جميلاً، وأن ترتب الحجج بمهارة، ويبقى النص محتاجاً إلى ذلك الأثر الذي يتركه إنسان خاض الفكرة حتى نهايتها وخرج منها بموقف يخصه.

صرنا نعيش زمناً يقيس النجاح بسرعة الإنجاز، فانتقلت هذه العدوى إلى الكتابة، وصار عدد المقالات أهم من مقدار ما تحمله من معنى. يكتب أحدهم في يوم ما كان يحتاج منه أسبوعاً، ثم يفرح بالكثرة كما يفرح التاجر بتكدس البضاعة في مخزنه. وقد تتسع قائمة المنشورات، بينما يضيق حضور الكاتب داخلها حتى تختفي ملامحه بين العبارات المصقولة.

لهذا تبدو الكتابة الحقيقية اليوم فعلاً من أفعال المقاومة الهادئة. الكاتب الذي يمنح نصه وقته يقاوم الإغراء الذي يعده بالسهولة، ويحمي فكرته من أن تتحول إلى مادة عابرة، ويصر على أن تمر الكلمة من داخله قبل أن تصل إلى القارئ. هذا البطء يحفظ للنص كرامته، لأن المعنى الذي ينضج في التجربة يحمل حرارة لا تنتجها الصياغة وحدها.

نرى الوجه الآخر لهذه المسألة كل يوم في الفضاء الرقمي، حيث تتكاثر نصوص مرتبة، مهذبة، متشابهة في نبرتها، وتبدو كأنها خرجت من قالب واحد مهما اختلفت موضوعاتها. تقرأها فتجد الجمل في مواضعها، وتجد المقدمة والخاتمة والحجة والمثال، ثم تنتهي من القراءة من غير أن يبقى فيك شيء. غاب القلق الذي يدفع الكاتب إلى الكتابة، وغابت اللمسة التي تكشف أن وراء الكلمات إنساناً عاش الفكرة واختلف معها وتغير بها.

يتضح هذا بجلاء في المقالات التي تصل أسبوعياً إلى جريدة «المستقل» مقترحةً للنشر. يظهر بعد التدقيق أن عدداً ملحوظاً منها كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي، ويمكن تمييزه من ذلك الترتيب الذي يخلو من النبرة الخاصة، ومن الجمل التي تؤدي وظيفتها من غير أن تحمل موقفاً حقيقياً. النص حاضر، والكاتب غائب، وكأن المطلوب كان ملء مساحة بيضاء بأي كلام يفي بالشكل المطلوب.

الكتابة التي تخرج من حاجة داخلية تترك علامةً مختلفة. قد تكون أقل لمعاناً، وقد تتعثر في بعض المواضع، لكنها تحمل شيئاً من صاحبها، وتدفع القارئ إلى التوقف عندها لأنها جاءت من تجربة لا من أمر مكتوب في خانة الطلب. أما النص الذي لم يمر بصراع الفكرة، فيبقى بارداً مهما أحسن ترتيب ألفاظه، لأن الكلمات وحدها لا تمنح الكتابة حياتها.

يفقد الكاتب شيئاً من نفسه حين يتنازل عن هذا الصراع. يبدأ الأمر بطلب صياغة فقرة، ثم ينتقل إلى مقال كامل، وبعد مدة يعتاد أن يستقبل أفكاره جاهزةً من الخارج. تضعف قدرته على الحفر في المعنى، ويخفت صوته، ويصبح تابعاً للنص الذي يُنتج له. ومع كل خطوة في هذا الطريق يبتعد عن السبب الذي جعله يكتب منذ البداية.

صار بعض الناس يتباهون بكثرة ما ينشرون، ويعرضون إنتاجهم كما تُعرض الأرقام في تقرير شهري، مع أن الكتابة لا تُقاس بعدد الصفحات التي خرجت إلى الناس، وإنما بمقدار ما حملته من رؤية وصدق ومسؤولية. الكاتب الحقيقي يعرف أن النص الجيد يكلّفه شيئاً من راحته، وأن الفكرة التي لم تهزه لن تهز قارئاً، وأن السرعة قد تنجز العمل وتترك المعنى ناقصاً.

المسألة تتصل أيضاً بكرامة الكلمة، لأن الكتابة التي تُنتج بلا جهد تتحول بسهولة إلى مادة استهلاكية. تُقرأ سريعاً، وتُنسى سريعاً، ثم يأتي غيرها في اليوم التالي بالطريقة نفسها. وحين يصبح هذا هو الإيقاع الغالب، يغرق العالم في ملايين الجمل السليمة التي لا تحمل رسالة، ويتحول الامتلاء اللغوي إلى نوع جديد من الفراغ.

ستكون المعركة القادمة داخل الكتابة نفسها، بين نص خرج من عقل عاش فكرته وبين نص جُمع في ثوانٍ ليؤدي غرضاً عابراً. ستكثر المقالات التي تلمع على الشاشة، وستتقن الآلة أكثر فأكثر محاكاة الأساليب، ويبقى الفرق قائماً في الأثر الذي تتركه التجربة الإنسانية داخل اللغة.

الذكاء الاصطناعي أداة واسعة القدرة، ويمكن للكاتب أن يستخدمه في البحث والترتيب والمراجعة، غير أن الخطر يبدأ حين يسلمه موضعه كله ثم يضع اسمه في الأعلى. عندها يصبح المقال معروضاً للبيع قبل أن يولد في صاحبه، ويتحول القلم إلى توقيع يوضع على كلام لم يدفع الكاتب ثمنه.

وحين يأتي يوم تمتلئ فيه الصفحات بنصوص متقنة خاوية، سيكون من السهل اتهام الآلة بأنها قتلت الإبداع، مع أن القاتل الحقيقي سيكون الكاتب الذي تخلى عنه طوعاً. فالآلة لم تطلب منه أن يهجر قلقه، ولم تمنعه من التفكير، ولم تنتزع منه ذاكرته وصوته؛ هو الذي اختار الراحة، ثم عاد يرتدي قناعاً بلا روح ويقدمه للناس على أنه وجهه.



مشاركة المقال :