مستهلكون بلا وعي


مستهلكون بلا وعي

يجري الإنسان المعاصر في سباق بدأ قبل أن ينتبه إليه، تحيط به قواعد لم يضعها، وجائزة تتبدل كلما اقترب منها. يلوح له خط النهاية قريباً، فيسرع نحوه، ثم يراه ينزاح إلى مكان أبعد وقد اكتسب بريقاً جديداً. تتلاحق أنفاسه، ويسقط أحياناً، ثم ينهض تحت ضغط الطريق والعيون التي تراقبه. بعضهم يصفق له، وبعضهم يسبقه، فيما يبقى سبب الركض غامضاً، حتى يكاد المرء ينسى أن يسأل نفسه عن الرغبة التي دفعته إلى دخول هذا السباق.

كان شوبنهاور ينظر إلى هذه الحركة بوصفها التعبير الأوضح عن حال الإنسان. فقد رأى الرغبة قوة تدفعه من حاجة إلى أخرى، وتجعله يعيش في شعور دائم بالنقص. يطلب الشيء لأن غيابه يؤلمه، ثم يحصل عليه فتخفت لذته سريعاً، وتظهر في مكانها رغبة جديدة تطالبه بمواصلة الطريق. وهكذا تتجدد الحاجة كلما تحقق مطلب، فيعيش الإنسان بين انتظار ما يريد وفتور ما ناله، وتبقى السكينة محطة قصيرة لا تسمح له بالإقامة فيها.

كانت الرغبات في زمن شوبنهاور تخرج من حاجات يعرفها الإنسان في الحب والعمل والبحث عن المعنى، ثم دخلت حياتنا الحديثة قوة أخرى تعلمت كيف تصنع الحاجة قبل ظهورها. الإعلان يرسم صورةً للحياة المرغوبة، والخوارزمية تتابع حركة العين والأصابع، والمنصة تقترح على المستخدم ما ينبغي أن يشتهيه، حتى غدت الرغبة مادةً تُصمم وتُختبر وتُدفع إلى الناس في اللحظة التي يكونون فيها أكثر استعداداً لتلقيها.

يتلقى الإنسان هذه الرغبات على هيئة اختيارات شخصية، مع أنها وصلت إليه بعد دراسة دقيقة لسلوكه. يرى هاتفاً جديداً فيشعر أن جهازه القديم أخذ يفقد قيمته، ويشاهد رحلةً مصورة بعناية فتتولد لديه حسرة على حياة يظن أنها تجري بعيداً عنه، ويتابع أجساداً مصقولة وصوراً محسنة فيبدأ بمراجعة شكله كأنه مشروع يحتاج إلى تحديث مستمر. وكلما ازداد اقترابه من الصورة المعروضة، تحركت الصورة خطوة أخرى كي يبقى الطريق مفتوحاً أمام الاستهلاك.

بهذه الطريقة تحولت الذات إلى مشروع تسويقي متنقل. للإنسان ملف يعرضه، وصورة يعدلها، وسيرة ينتقي منها ما يمنحه قبولاً أكبر، وأداء يتواصل أمام جمهور لا يعرف أكثر أفراده. يتعلم مع الوقت أن ينظر إلى نفسه من خارجها، فيتساءل عن الطريقة التي سيظهر بها قبل أن يفكر في حقيقة ما يشعر به، وتصبح حياته مادةً قابلةً للعرض والتقييم والتحديث.

الرأسمالية الحديثة تبيع مع كل سلعة تصوراً كاملاً عن صاحبها. الهاتف يحمل وعداً بالنجاح، والسيارة تمنح صورةً عن المكانة، والعطلة تتحول إلى شهادة على معرفة فن العيش، حتى صار المنتج طريقاً مختصراً إلى هوية جاهزة. يشتري المرء الشيء ومعه المعنى الذي ربطه الإعلان به، ثم يكتشف بعد مدة أن المعنى بدأ يفقد لمعانه، فيعود إلى السوق باحثاً عن نسخة أحدث من الحياة نفسها.

ويحتاج هذا السوق إلى إبقاء الإنسان في حالة عدم رضا، لأن الراضي يستهلك بقدر حاجته، بينما يستهلك القلق بقدر خوفه من النقص. لذلك يسمع المرء كل يوم أن شكله قابل للتحسين، ووقته يحتاج إلى تنظيم أدق، ومهاراته تستدعي التطوير، وعلاقاته تفتقر إلى الوعي، وصحته تنتظر برنامجاً جديداً. حتى الراحة دخلت في جدول المهام، وصار الإنسان مطالباً بأن يستريح بكفاءة، وينام بذكاء، ويتأمل وفق خطة تضمن له العودة إلى العمل بطاقة أعلى.

دخلت ثقافة الإنجاز من هذا الباب، فربطت قيمة الإنسان بحجم ما ينتجه وسرعة ما يحققه. يبدأ اليوم بقائمة، وينتهي بمراجعة ما أُنجز منها، ثم يحمل ما تأخر إلى صباح جديد. تسأله المنصات عن عدد المتابعين، وتعرض عليه التطبيقات حصيلة خطواته وساعات نومه، ويضع لنفسه أهدافاً في القراءة والرياضة والعمل، حتى تغدو حياته مجموعة مؤشرات تراقب أداءها كما تراقب الشركات أرباحها.

وقد أصاب هذا القياس المعرفة أيضاً، فأصبح عدد الكتب المقروءة أهم من الأثر الذي تركه كتاب واحد، وتحولت التجربة إلى حصيلة قابلة للنشر. يعلن أحدهم أنه أنهى عشرة كتب في شهر، ويقارن آخر عدد صفحاته بما قرأه أصدقاؤه، فتدخل القراءة في سباق الإنجاز نفسه الذي كان يفترض أن تمنح الإنسان فرصة للخروج منه. يقرأ مسرعاً كي يحافظ على الرقم، ثم ينتقل إلى العنوان التالي قبل أن تجد الفكرة وقتاً كافياً لتستقر في حياته.

ولم تنجُ السكينة من هذا السوق الذي يحسن تحويل كل حاجة إلى خدمة. ظهرت تطبيقات الوعي اللحظي، ودورات الطمأنينة، وبرامج التخلص من التوتر، ونصائح الانقطاع الرقمي، وأصبح الهدوء منتجاً له اشتراك شهري وصوت إرشادي وشعار جذاب. يدخل الإنسان إلى التطبيق كي يتخلص من القلق الذي صنعته التطبيقات الأخرى، فيبقى داخل النظام نفسه حتى وهو يبحث عن مخرج منه.

ينمو من هذه الحياة قلق جماعي يرافق الإنسان في عمله وراحته وعلاقاته. يشعر أن الآخرين يتقدمون، وأنه تأخر عن القافلة، وأن ما حققه أقل مما ينبغي، مع أن هذا «الذي ينبغي» يتغير كلما وصل إليه. يحدد السوق المقاييس، وتعيد المنصات عرضها كل يوم، ثم يقيس المرء نفسه بها ويخرج دائماً بنتيجة ناقصة، لأن النظام الذي يعتمد على استمرار الرغبة يحتاج إلى إبقاء الكفاية بعيدة المنال.

حتى السعادة أصبحت صورة موسمية تتغير ألوانها وأشكالها وأسعارها. تظهر مرةً في منزل واسع، ومرةً في جسد رياضي، ومرةً في رحلة بعيدة، ومرةً في حياة هادئة داخل الريف. ينتقل الإنسان بين هذه الصور وهو يظن أن إحداها تحمل السر، ثم يكتشف بعد الوصول أن السر انتقل إلى صورة أخرى كانت تنتظره على الشاشة.

يكشف الفرق بين الطفل الذي يرسم على جدار بيته والشاب الذي ينشر لوحته ويراقب عدد الإعجابات مقدار ما حدث للرغبة في حياتنا. يرسم الطفل لأن الحركة نفسها تمنحه المتعة، ويشعر الشاب بقيمة لوحته من خلال الاستجابة التي تتلقاها. تدخل عيون الآخرين إلى التجربة، وتعيد تحديد معناها، فيصبح الإعجاب جزءاً من العمل، ويأخذ الصمت شكل الفشل حتى لو بقيت اللوحة جميلة في نظر صاحبها.

وحين ترتبط الرغبة بالاستجابة الخارجية، يبدأ الإنسان بتعديل ما يصنعه وفق ما يرضي الجمهور. يختار موضوعاً يضمن انتشاراً أوسع، ويغير لغته لتناسب المنصة، ويتخلى بالتدريج عن الأشياء التي يحبها حين تفشل في جذب الانتباه. وبعد زمن قد يصعب عليه معرفة الجزء الذي خرج من داخله والجزء الذي تعلمه من السوق والناس والخوارزمية.

عندئذ يصبح السؤال عن مصدر الرغبة أكثر أهمية من الرغبة نفسها. من الذي اختار هذا الهدف؟ وكيف دخل إلى حياتنا؟ وما الذي يدفعنا نحوه: حاجة حقيقية، أم خوف من التأخر، أم صورة تكررت أمامنا حتى بدت كأنها رغبتنا الخاصة؟ الإجابة تحتاج إلى وقفة تعيد للإنسان المسافة التي فقدها وهو يركض.

تبدأ هذه الوقفة من مراقبة الرغبة قبل الانقياد لها، ومن منح النفس وقتاً تسأل فيه عن الحاجة التي تحركها. قد يكتشف المرء أن بعض ما يطارده جاءه من مقارنة عابرة، وأن طموحاً كاملاً نما في داخله بسبب صورة متكررة، وأن كثيراً من الإرهاق الذي يحمله كان ثمناً لأهداف لم يخترها بوعي.

الصمت يساعد على هذا الكشف حين يصبح مساحةً للإنصات إلى النفس، فيمنح الإنسان فرصةً لسماع ما طمره الضجيج اليومي. ومعه يمكن إعادة تعريف النجاح وفق الحياة التي يقدر صاحبها على احتمالها والرضا عنها، بعيداً عن المقاييس التي تتغير مع كل موسم. وقد يظهر النجاح حينئذ في عمل يؤديه المرء بإتقان، أو علاقة تحفظ إنسانيته، أو وقت يملكه لنفسه، أو قدرة على التباطؤ من غير شعور بالذنب.

تستعيد الذات حريتها حين تتوقف عن التعامل مع نفسها بوصفها مشروعاً دعائياً يحتاج إلى التجميل المستمر. الإنسان يخطئ، ويتردد، ويتباطأ، ويغير طريقه، وتبقى قيمته قائمةً في قدرته على اختيار ما يناسبه وتحمل نتائج هذا الاختيار. أما الحياة التي تُعاش أمام الجمهور فتدفع صاحبها إلى مطاردة نسخة محسنة من نفسه، حتى تصبح النسخة أهم من الإنسان الذي يقف خلفها.

نظن أننا نستهلك الأشياء كي تخدمنا، بينما تدخل الأشياء في تشكيل حاجاتنا وأوقاتنا وصورتنا عن أنفسنا. كل رغبة تأتي من الخارج تفتح مكاناً لرغبة أخرى، وتستنزف شيئاً من طاقة الإنسان وهو يحاول بلوغ خط نهاية يتحرك باستمرار. وقد يكون الفوز الوحيد المتاح في هذا السباق هو اللحظة التي يبطئ فيها المرء خطاه، وينظر إلى الطريق، ثم يقرر إن كان يريد مواصلة الركض أصلاً.


مشاركة المقال :