تخيّل عالماً تتحرك فيه الأفعال بلا أسماء، وتتسلل فيه الدوافع من غير أن تجد وصفاً يحددها، ثم تمضي النتائج من دون ميزان يرجع إليه الناس حين يريدون محاسبة أنفسهم. في عالم كهذا يضعف صوت الضمير، وتفقد الأخلاق مكانها في التربية والحياة، ويقف الإنسان أمام نفسه من غير المرآة التي كانت تعيد إليه صورة ما فعل، فيصعب عليه أن يعرف ما تبقى من إنسانيته بعد أن غابت المعايير التي يقيس بها أثره في الآخرين.
نحن نصنع إنسانيتنا من خلال المحاولة التي ترافق أفعالنا، ومن ذلك الارتباك الذي يظهر حين نخطئ، والشعور الذي يعيدنا إلى الكلمة التي قلناها أو الموقف الذي مررنا به، فنفحص ما تركناه في نفس إنسان آخر. وقد يعود المرء في المساء إلى يومه كله، يتذكر وجهاً جرحه أو يداً كان يستطيع أن يمدها، ثم يسأل نفسه إن كان قد تصرف بما يليق بإنسان يرى في غيره ألماً يشبه ألمه.
هذا السؤال هو الذي يجعل الخير تجربةً حيةً تتكون في كل مرة نتراجع فيها عن أنانيتنا، أو ننتبه إلى شخص كنا على وشك استعماله وسيلةً لمصلحة تخصنا. فالخير والشر لا يبدوان دائماً واضحين أمامنا، وإنما يتشكل معناهما في الاختيارات الصغيرة التي نمر بها، وفي قدرتنا على رؤية الآخر كائناً له خوفه وكرامته وهشاشته، ثم ترتيب سلوكنا على أساس هذه الرؤية.
يذكرني هذا بكتاب نيتشه «ما وراء الخير والشر»، فقد كان الرجل يشك في الأحكام الأخلاقية التي تتوارثها المجتمعات، ويرى أن كثيراً مما نسميه خيراً أو شراً صنعته الثقافة ورسخته العصور حتى بدا كأنه حقيقة قائمة فوق الإنسان. وقد كشف في هذا النقد جانباً محرجاً من تاريخ الأخلاق، لأن كلمة «الخير» استُعملت أحياناً لتبرير الحروب، كما استُعملت كلمة «الشر» لإقصاء المختلف وتحويله إلى عدو يستحق العقاب.
يضعنا هذا التفكيك أمام سؤال يصعب تجاوزه: ماذا يبقى للإنسان بعد أن يسحب ثقته من الأحكام التي ورثها؟ قد يحرره ذلك من قيم صنعتها السلطة وألبستها ثوب القداسة، وقد يتركه أيضاً أمام هاوية لا يجد فيها معياراً يراجع به أفعاله. فالأخلاق الجاهزة تحمل في داخلها تاريخاً من القهر وسوء الاستعمال، ومع ذلك يبقى الإنسان محتاجاً إلى معنى يردعه حين يقترب من إيذاء غيره، ويعيده إلى نفسه حين يدفعه الغضب أو الخوف إلى القسوة.
ولا يولد أحد منا حاملاً كتاباً يشرح له الخير والشر. نتعلم الأخلاق كما نتعلم المشي، من خلال السقوط والمحاولة والمراقبة والندم. يرى الطفل الألم على وجه غيره فيفهم أن لحركته أثراً يتجاوز جسده، ويجرب الأنانية ثم يكتشف الوحدة التي تتركها، ويتلقى الرحمة فيتعلم منها طريقة أخرى في معاملة الناس. ومع مرور التجربة، تتكون في داخله حساسية أخلاقية تنمو كلما أخطأ وراجع نفسه.
لهذا تبدو الأخلاق عمليةً مستمرةً من الخلق الداخلي، تنضج مع الخبرة وتحتاج دائماً إلى التصحيح. قد يبدأ الشر من جهل لا ينتبه صاحبه إلى عواقبه، أو من ألم بقي غامضاً في داخله فتحول إلى أذى يصيب الآخرين، أو من خوف جعله يرى الناس تهديداً دائماً. وفهم هذه الجذور يساعد الإنسان على معرفة الطريق الذي قاده إلى الفعل، ثم يطالبه بتحمل مسؤوليته عنه.
وقد ظهر هذا المعنى بوضوح أثناء الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا عام 2023، حين بقي الناس محاصرين تحت الأنقاض، وكان الخوف يملأ المكان، فيما اندفع أشخاص عاديون نحو الركام وحفروا بأيديهم العارية بحثاً عن ناجين لا يعرفونهم. لم تكن لهم سلطة، ولم ينتظروا شهرةً أو مكافأةً، وكانت حياتهم نفسها معرضةً للخطر، ومع ذلك حرّكهم شيء جعل ألم الغريب شأناً يخصهم.
في تلك اللحظات ظهرت الأخلاق في فعل مباشر سبق النظرية والتعليم، لأن الإنسان استطاع أن يخرج من حدوده الضيقة ويرى في الجسد العالق تحت الحجارة حياةً تستحق أن يخاطر من أجلها. لم يحتج المنقذ إلى تعريف فلسفي للخير كي يتحرك، فقد كانت هشاشة الآخر كافيةً لإيقاظ ذلك النداء الداخلي الذي يقوده نحو الركام.
ومن هذه القدرة على مغادرة أسر الذات يأخذ الخير معناه، لأن الإنسان يقترب من الإنسانية كلما وسّع دائرة شعوره لتشمل غيره. أما الشر فينشأ كثيراً من ضيق الرؤية، حين يعجز المرء عن تخيل أثر فعله في حياة شخص آخر، فيصبح الألم الذي يصنعه بعيداً عن وعيه، ثم يعتاد القسوة حتى تفقد قدرتها على إرباك ضميره.
ولذلك يظل التمييز بين الخير والشر شرطاً أولياً للإنسانية، ينمو بالتعلم والتجربة ويتغير كلما اكتشف الإنسان عيباً في معاييره القديمة. فنحن نراجع ما ورثناه، ونكتشف أحياناً أن فضيلةً شائعة كانت تستر خوفاً اجتماعياً، وأن فعلاً أُدين طويلاً كان اختلافاً عجز الناس عن فهمه. وتبقى الأخلاق حيةً حين تواصل تصحيح نفسها، وتحمي الإنسان من تحويل حريته إلى حق في إيذاء غيره.
وربما كان نيتشه، حين دعا إلى تجاوز الخير والشر، يقصد تلك القيم التي تحولت إلى أدوات للسيطرة، وصارت تمنح الناس أحكاماً جاهزةً تعفيهم من التفكير. غير أن التجربة البشرية تحمل خيراً آخر يظهر في الموقف نفسه، حين يمد المرء يده إلى إنسان ضعيف، أو يتراجع عن كلمة تؤذيه، أو يقف إلى جانبه من دون أن ينتظر مقابلاً.
هذا الخير يُعاش قبل أن يدخل الكتب، ويُحس حين يدرك الإنسان أن مصير الآخر كان يمكن أن يكون مصيره، وأن الجسد المتألم أمامه يحمل هشاشةً يعرفها في نفسه. ومن هذا الإدراك تنشأ الرحمة، ويأخذ الضمير مكانه بوصفه قدرةً على استقبال أثر الفعل في الداخل، حتى يصبح ألم الغير جزءاً من المراجعة التي يجريها المرء مع نفسه.
وقد يكون هذا التردد أمام الاختيار أقرب إلى تعريف الإنسان من العقل الذي جعله القدماء ميزته الكبرى. فالعقل يستطيع أن يصنع للقسوة حججاً متماسكة، ويستطيع أن يبرر المصلحة والانتقام، بينما تكشف لحظة التردد عن وجود مرآة داخلية تطالب صاحبها بأن يرى ما سيفعله في حياة غيره قبل أن يمضي.
نحتاج إلى هذه المرآة لأن العمى الأخلاقي يبدأ بسهولة، ولأن الإنسان يستطيع أن يؤذي ثم يبني حول فعله قصةً تجعله مقبولاً في نظره. ويبقى قادراً على العودة ما دام السؤال حياً فيه، وما دام يستطيع أن يعترف ويصلح ما أفسده ويعيد النظر في نفسه. وربما كانت إنسانيتنا كلها كامنةً في هذه العودة المتكررة، حين نحمل أفعالنا إلى داخلنا ونسأل بصدق عن الوجه الذي سنقابل به أنفسنا.
مشاركة المقال :