المسرح ينتصر على الواقع


المسرح ينتصر على الواقع

تعيش السياسة دائماً على مستويين؛ مستوى يُعرض أمام الجمهور بلغة الشفافية والكرامة والمصلحة العامة، ومستوى آخر تُصاغ فيه القرارات داخل غرف الحساب والمساومة وتقدير الخسائر. ومع طول الممارسة، تتباعد اللغة التي تسمعها الشعوب عن الطريقة التي تُدار بها شؤونها، حتى يصبح الخطاب واجهةً مستقلةً لها قواعدها، ويستقر الفعل السياسي في مكان آخر لا تصل إليه العبارات المعلنة.

هذا الانفصال وجد صياغته المبكرة عند ميكافيلي حين كتب «الأمير» في زمن مضطرب كانت السلطة فيه معرضةً للانهيار في كل لحظة. أراد للرجل الحاكم أن يفهم طبيعة الصراع من حوله، فدعاه إلى استعمال الوسائل التي تحفظ الحكم، بما فيها الخداع والمراوغة والخيانة حين تفرض الضرورة ذلك. كانت غايته تقديم دليل للبقاء، وقد تحولت هذه الوصايا مع مرور الزمن من استجابة لمرحلة مضطربة إلى عقل سياسي دائم تقيس به الأنظمة نجاحها.

امتصت الدولة الحديثة هذا العقل وطورته داخل مؤسساتها، فانتقلت المراوغة من مهارة فردية يمارسها الحاكم إلى منظومة كاملة تشارك فيها الأجهزة والقوانين والإعلام ومراكز العلاقات العامة. صار الكذب يُصاغ على أيدي خبراء، ويُقدَّم بلغة محسوبة، وتُختار له اللحظة المناسبة والصورة المناسبة والجمهور المناسب، حتى اكتسب قدرةً على الظهور في هيئة معلومة رسمية يصعب فصلها عن الحقيقة.

تتسع هذه القدرة حين يصبح القانون نفسه جزءاً من إدارة الغموض، إذ تستطيع السلطة أن تكشف القدر الذي يخدم صورتها وتحجب ما يهددها، ثم تقدم هذا الانتقاء بوصفه التزاماً بالإجراءات. ويؤدي الإعلام دوره داخل الحلقة ذاتها عندما يعيد ترتيب الوقائع ويصوغها بطريقة تجعل الرواية أكثر جاذبية من الحدث، فيخرج المتلقي بصورة مكتملة صُنعت له بعناية قبل أن يجد فرصةً لرؤية ما جرى.

وجدت الديمقراطيات الحديثة نفسها داخل هذا المسار أيضاً، لأن الانتخابات والحريات والمؤسسات الرقابية وفرت للخطاب السياسي لغةً أكثر تطوراً، ثم تعلمت السلطة كيف تستخدم هذه اللغة في حماية ممارساتها. تُرفع شعارات الحرية في الحملات، وتدخل القيود بعد ذلك عبر تفاصيل القوانين، وتظهر المساءلة في المؤتمرات الصحفية بينما تبقى القرارات الكبرى رهينة تفاهمات لا يسمع عنها الجمهور إلا بعد اكتمالها.

ومع تكرار هذا النمط، تعلّم الناس قراءة السياسة بوصفها فناً للمراوغة، وأصبح القائد الذي ينجح في إخفاء مقصده موضع إعجاب، بينما تُستقبل الصراحة بشيء من الشك. يتحدث الجمهور عن السياسي الملتوي بصفته ذكياً، ويعامل الوضوح كأنه قصور في فهم اللعبة، حتى دخل الخداع في الثقافة العامة وتحول من سلوك سلطوي إلى معيار تُقاس به الكفاءة.

هذا التكيف الشعبي منح الكذب السياسي قوةً إضافية، لأن السلطة حين تكذب تعرف أن جمهورها ينتظر منها الحيلة، وقد يصفق لها إذا جاءت الحيلة في صورة مقنعة. تتراجع قيمة الحقيقة في مثل هذا المناخ، ويزداد الاهتمام بجودة الرواية وقدرتها على حماية الانتماء الحزبي أو القومي أو الطائفي. يصبح الإنسان مستعداً لتصديق القصة التي تخدم موقعه، ثم يطالب الآخرين بأدلة صارمة عندما تمس القصة خصومه.

من داخل هذا العالم ظهر خوسيه موخيكا بوصفه تجربةً مختلفة في استعمال الوضوح السياسي. عاش الرئيس السابق للأوروغواي في مزرعة متواضعة مع زوجته وكلبه، وقاد سيارةً قديمة، وتبرع بمعظم راتبه، فحصل من الإعلام العالمي على لقب «أفقر رئيس في العالم». كان اختياره للحياة البسيطة جزءاً من طريقته في ممارسة السلطة، لأنه أدرك أن الصورة التي يصنعها الحاكم بسلوكه اليومي قد تكون أبلغ من آلاف الخطب.

دخل موخيكا السياسة بخبرة طويلة في الصراع والسجن والعمل الحزبي، ولذلك جاءت بساطته من فهم عميق لطبيعة الحكم ومصادر الثقة. كان يعرف أن الخصم يفتش دائماً عن المسافة بين كلام السياسي وحياته، فقلّص هذه المسافة إلى حد أربك الذين أرادوا الطعن فيه. كشف ما يملكه، وقدم نفسه كما هو، وترك حياته مفتوحةً أمام الناس، فسقطت كثير من الأسلحة التي تُستخدم عادةً في تشويه صورة الحاكم.

ساعده هذا الوضوح على بناء علاقة مباشرة مع شعبه، لأن الناس رأوا رجلاً يعيش قريباً من المستوى الذي يخاطبهم منه. لم تحتج صورته إلى حملة واسعة من التجميل، فقد كانت المزرعة والسيارة القديمة وطريقة الكلام تؤدي عملها كل يوم. وتحولت الشفافية عنده إلى قوة سياسية تجعل الخصم عاجزاً عن مفاجأته بحقيقة أخفاها، فيما ظل الجمهور يملك صورةً مستقرةً عن الرجل الذي يحكمه.

تكشف تجربة موخيكا أن الصدق يستطيع أن يدخل قلب العمل السياسي بوصفه استراتيجيةً محكمة، حين يفهم الحاكم أثره ويمنحه شكلاً عملياً يراه الناس. فالشفافية التي تسبق الاتهام تسحب من الخصم عنصر المفاجأة، والحياة المتسقة مع الخطاب تمنح الكلام ثقلاً يصعب تصنيعه في مكاتب العلاقات العامة.

بقاء هذه التجربة نادرةً يوضح مقدار اعتماد السياسة المعاصرة على الكذب المنظم، لأن معظم الأنظمة اختارت الطريق الذي يمنحها قدرةً أكبر على التحكم في الصورة. ومع اتساع هذا الطريق، دخل العالم زمناً أصبحت فيه الرواية أجدر بالعناية من الواقعة، وصار النجاح السياسي يقاس بقدرة القصة على الانتشار والصمود أمام القصص المنافسة.

تأخذ «ما بعد الحقيقة» معناها الكامل داخل هذه البيئة، حيث تعمل العاطفة والهوية والمصلحة على تشكيل ما يقبله الناس بوصفه حقيقة. يختار الجمهور الرواية التي تمنحه راحةً أو انتصاراً رمزياً، ثم تتولى المنصات والإعلام والسياسة تكرارها حتى تستقر في الوعي. وعندها تستطيع القصة الجميلة أن تسحق الحقيقة، لأنها تصل أسرع، وتُحفظ بسهولة، وتمنح المتلقي دوراً واضحاً داخلها.

يواصل المسرح عمله كل يوم، وتزداد الديكورات دقةً، ويتعلم الممثلون كيف يبدون صادقين في اللحظة التي يخفون فيها أكثر ما يهم الناس معرفته. أما الجمهور فقد أصبح جزءاً من العرض، يختار الرواية التي يحبها، ويدافع عنها، ويسهم في نشرها، ثم يعود إلى مقعده منتظراً المشهد التالي.

وحين تتحول السياسة إلى هذا النوع من المشاركة، يصعب توزيع المسؤولية بين من يصنع الخداع ومن يقبله. فالسلطة تقدم القصة، والجمهور يمنحها الحياة، والإعلام يصقلها، ثم يتصرف الجميع وكأن الحقيقة ضاعت وحدها في الطريق. وربما كان السؤال الأشد إلحاحاً يتعلق بما تبقى من قدرتنا على احتمال الحقيقة حين تصل إلينا عاريةً من الزينة، لأن السياسة تعلمت منذ زمن كيف تكذب، فيما تعلّمنا نحن كيف نحب الكذبة التي تُروى بإتقان.



مشاركة المقال :