ديكتاتورية الجماهير


ديكتاتورية الجماهير

قد يبدأ الاستبداد من صندوق الاقتراع نفسه، حين تتعامل الأغلبية مع عددها بوصفه تفويضاً مفتوحاً لتقرير ما يجوز للآخرين أن يفكروا فيه أو يقولوه أو يعيشوه. فالديكتاتورية ليست دائماً نظاماً سياسياً يقوده حاكم، وأدوات القمع لا تقتصر على مؤسسات الدولة. ثمة سلطة تنشأ داخل الجمهور، وتستمد مشروعيتها من عبارة تبدو ديمقراطية في ظاهرها: «هذا ما يريده معظم الناس». وحين تتحول رغبة الأكثرية إلى معيار وحيد للحق، تجد الجماعة نفسها قادرة على فرض نموذج واحد للحياة، ثم تمنح هذا الفرض أسماء محترمة من قبيل الإرادة الشعبية والهوية العامة وحماية المجتمع.

ارتبطت الديمقراطية في أذهان كثيرين بحكم الأغلبية، حتى بدا عدد الأصوات كافياً لمنح القرار شرعيته الأخلاقية. غير أن الكثرة تحدد من يحكم، ولا تمنح الحاكم أو جمهوره حق التصرف في حريات الآخرين. الديمقراطية التي تفقد ثقافة التعدد تتحول إلى عملية حسابية يربح فيها العدد الأكبر، فيما يبقى المختلف تحت رحمة المزاج العام. وقد يستطيع الدستور أن يعلن المساواة بين المواطنين، لكن المجتمع قادر على إفراغ هذه المساواة من معناها حين يقرر أن بعض أبنائه أقل استحقاقاً للقبول والحماية.

يمارس الجمهور سلطته بوسائل تبدو عادية إلى حد يجعل قسوتها مألوفة. يبدأ الأمر بتعليق ساخر أو حملة تشهير، ثم ينتقل إلى وسائل الإعلام والمنابر الدينية والمؤسسات والتشريعات. وقد لا تصدر تعليمات صريحة بإقصاء أحد، لأن الشعور الجمعي يتولى المهمة ويحدد من يستحق الكلام، ومن ينبغي أن يبقى في الهامش. ومع تكرار هذا السلوك، يصبح الاختلاف علامة ريبة، ويُعامل صاحبه كعنصر يهدد تماسك الجماعة أو يلوث نقاءها المتخيل.

اليقين الجماعي أشد خطراً من غضب فرد يملك السلطة، لأن الإنسان حين يقمع وحده قد يشعر أنه يرتكب ظلماً، أما الجماعة فتستطيع أن تمنح ظلمها معنى أخلاقياً. يرى كل فرد نفسه جزءاً صغيراً من موقف عام، فتضيع المسؤولية بين الآلاف، ويخرج الجميع من الفعل بضمير مرتاح. بهذه الطريقة يتحول التنوع إلى عبء، وتبدأ عملية فرز صامتة تحدد درجات الانتماء: مواطن أصيل، ومواطن مشكوك فيه، وآخر يمكن الاستغناء عنه حين تشتد الأزمة.

تمنح الفوضى السياسية هذه النزعة فرصة للخروج من الكلام إلى الدم. وما وقع في بعض مناطق الساحل السوري خلال دخول جماعات الجولاني المسلحة يقدم مثالاً مؤلماً على ذلك؛ إذ تجاوز الأمر حدود الفعل العسكري، وحمل معه روح انتقام وجدت في الانتماء الطائفي مبرراً للعقاب. جرى التعامل مع الأقلية العلوية في بعض الخطابات كأنها كتلة واحدة مسؤولة عن تاريخ كامل، وكأن هوية الفرد تكفي لإدانته قبل معرفة اسمه أو موقفه أو حياته.

لا أجد في هذا المشهد غضباً عابراً انفجر ثم انطفأ، بل ثقافة تسمح للكثرة بأن تتعامل مع تفوقها العددي كأنه تفوق أخلاقي. حين تستقر هذه القناعة في النفوس، يصبح استهداف المختلف عملاً مشروعاً في نظر أصحابه، ويأخذ الانتقام صورة تصحيح تاريخي طال انتظاره. وما يبدو للفاعل استعادةً للحق قد يكون في حياة الضحية مجزرة لم ترتكب سوى أنها وُلدت داخل الجماعة الخطأ.

الدولة تستطيع إصدار الأمر ووقفه، أما الجمهور المنتقم فيوزع الأمر بين أفراده حتى يعجز المرء عن تحديد مصدره. واحد يبرر، وآخر يحرض، وثالث يصمت، ورابع يحول الجريمة إلى خبر عابر. تتجمع هذه الأدوار في النهاية لتصنع بيئة تسمح بالقمع وتحميه من المساءلة، لأن كل مشارك يستطيع أن يقول إن يده لم تكن صاحبة الضربة الأخيرة.

وتزداد سلطة الجماهير رسوخاً حين تستخدم أدوات الديمقراطية نفسها. فالقانون قد يُصاغ استجابةً لمزاج شعبي غاضب، وتستطيع الانتخابات أن تمنح الإقصاء شكلاً مؤسسياً، فيما تتولى وسائل التواصل إعلان الأحكام وتنفيذ العقوبات الاجتماعية. يخرج المختلف من عمله، أو يُحاصر في محيطه، أو يتحول اسمه إلى مادة للنبذ، ثم يُقدَّم كل ذلك بوصفه دفاعاً عن القيم أو استجابةً لصوت الشارع.

يخدعنا هذا القمع لأنه يتكلم بلسان الناس. فالسلطة الرسمية تعلن وجودها من خلال الشرطي والسجن والمحكمة، بينما يتوزع الاستبداد الشعبي في الوجوه المألوفة: جار يراقب، وزميل يشي، ومتابع يطالب بالعقاب، ومؤسسة تخشى مخالفة الجمهور. ويكفي أن يشعر الفرد بأن الجماعة تقف معه حتى يتصرف بقسوة ربما كان سيخجل منها لو تحمل مسؤوليتها وحده.

أتفهم لماذا يبدو هذا النوع من الطغيان أقل وضوحاً من حكم الديكتاتور. الطاغية له اسم وصورة وقصر يمكن توجيه الغضب نحوه، أما الجمهور فلا وجه واحداً له. إنه محيط كامل يطوّق المختلف ويجعله يشعر بأنه غريب في بلده، ثم يقنعه بأن عزلته نتيجة طبيعية لخطئه. وقد يحتج الإنسان على الحاكم، لكنه يجد صعوبة أكبر في الاحتجاج على مجتمع يملك بيته وعمله وسمعته وعلاقاته اليومية.

حين تستقر هذه الرقابة داخل المجتمع، يراقب المواطن جاره قبل أن تراقبه الدولة، ويتحول المجال العام إلى اختبار دائم للولاء. تتقلص المواطنة إلى مقدار التشابه مع الجماعة، ويصبح القبول الاجتماعي شرطاً عملياً للحصول على الحقوق. يظل القانون مكتوباً، لكن الوصول إلى حمايته يتوقف على مزاج الناس واستعداد المؤسسات لمواجهة غضبهم.

تحتفظ الديمقراطية في هذه الحالة باسمها ومؤسساتها وانتخاباتها، فيما تتغير وظيفتها من الداخل. يختار الناس من يجسد غضبهم، ويمنحونه القوة كي يحول تحيزاتهم إلى سياسات عامة. يأتي المستبد عبر الصندوق محمولاً على أكتاف جمهور يراه ممثلاً صادقاً لإرادته، ثم يبدأ القمع محاطاً بالتصفيق، فيبدو كل اعتراض عليه اعتراضاً على الشعب نفسه.

لا يحتاج هذا النظام إلى إلغاء الانتخابات، لأنه يستعملها لتجديد شرعيته. كما يستطيع إبقاء الصحف والشاشات والمنصات مفتوحة، ما دامت الأصوات الموجودة فيها تتحرك داخل الحدود التي رسمها الإجماع. وقد يظن المجتمع أنه حر لأنه يتكلم كثيراً، مع أن الكلام المسموح به صار نسخة واحدة ترددها حناجر متعددة.

الخوف الذي تصنعه الجماهير أكثر التصاقاً بالحياة اليومية من خوف السلطة. يستطيع المواطن أن يغلق باب بيته في وجه الموظف الرسمي، لكنه يحمل نظرات الناس معه إلى الداخل. يعرف أن كلمة واحدة قد تحوله إلى هدف، وأن موقفاً مختلفاً قد يهدد عمله أو أسرته أو مكانه الاجتماعي. وحين تصبح الكلفة بهذا الحجم، يتعلم الناس الصمت من غير حاجة إلى قرار حكومي.

الديمقراطية الحقيقية تُقاس بمقدار الأمان الذي تمنحه لمن يخسر التصويت، ولمن يختلف مع الذوق العام، ولمن يعيش خارج النموذج الذي تفضله الأكثرية. فحقوق الإنسان تفقد معناها إذا بقيت هدية تمنحها الجماعة لمن ترضى عنه، ثم تسحبها عند أول خلاف. والمجتمع الذي يربط العدالة بالقبول الشعبي يفتح الباب أمام كل موجة غضب كي تعيد تعريف المذنب والضحية.

أخشى أن تكون الديكتاتورية المقبلة أقل شبهاً بالطغاة الذين عرفهم التاريخ. قد تأتي بوجه منتخب، وخطاب شعبي، وجمهور يشارك في صناعة القمع ثم يحتفل به. ستبقى الصناديق في أماكنها، وتستمر الشعارات عن الحرية، فيما يتقلص حق الاختلاف يوماً بعد يوم تحت ضغط الأكثرية الغاضبة.

يبلغ الاستبداد ذروته حين يصبح الناس مصدر السلطة ومصدر الخوف معاً. عندئذ لا يعود الفرد خائفاً من الحاكم وحده، بل من المجتمع الذي يستطيع أن يعاقبه قبل وصول القانون إليه. وتلك ديكتاتورية يصعب إسقاطها، لأنها لا تجلس على كرسي واحد؛ إنها تجلس في داخل كل من يعتقد أن كثرة المؤيدين تجعل الظلم عدلاً.



مشاركة المقال :