العجلة للجبناء


العجلة للجبناء

نحن نعيش في عصر يحرص فيه الإنسان على اختصار كل شيء، ويعدّ السرعة المعيار الأوضح للنجاح. وفي مسيرة الأربعين نرى ظاهرة اجتماعية تقلب هذا المفهوم رأساً على عقب؛ فملايين البشر يزهدون في أسرع وسائل النقل، ويفضلون المشي إلى كربلاء. كأنهم يعلنون، من غير كلام، أن العجلة للجبناء، وأن اختصار المسافة قد يفرغ الرحلة من معناها. فهم قادرون على الركوب، غير أن الدرب في نظرهم تجربة قائمة بذاتها، تبدأ من الخطوة الأولى وتستمر حتى الوصول.

وهذا الاختيار يصطدم بما علّمنا إياه العقل الحديث. فضياع الوقت عنده خطيئة، وبذل الجهد المضاعف دليل على ضعف الكفاءة. في المسير تدخل المشقة في جوهر الفعل، ويمنح التعب القصد وزنه النفسي، لأن الزائر يقدم من جسده ووقته ما يجعل الزيارة جزءاً من سيرته. وقد كتب نيتشه في «غروب الأصنام» أن الحياة تزداد صعوبة كلما اتجهت نحو القمة، وأن البرد والمسؤولية يزدادان معها. وقمة هذا الطريق تستمد قيمتها من عمق الرمز الذي تتجه إليه النفوس.

ولعل أهم ما يناله السائر في هذا الامتداد هو تصحيح علاقته بالزمن. فالساعات التي كان يركض خلفها في حياته اليومية تسير إلى جواره بهدوء، والمسافة التي تطويها الآلة في دقائق تنفتح أمامه أياماً. وخلالها تقع أحداث صغيرة عميقة الأثر: مصافحة غريب، ودعوة إلى طعام، وكلمة مواساة، وجرعة ماء تقدمها يد لا يعرف صاحبها. حتى الألم في القدم يدخل في ذاكرة المسير، لأن التمهل الإرادي يمنح كل لحظة فرصة لكي تستقر في النفس.

لقد جعلت ثقافة «الآن» الطريق فراغاً بين نقطتين، وقاست قيمته بعدد الدقائق التي نستطيع اختصارها منه. وفي طريق الأربعين تمتلئ المسافة بالناس منذ بدايتها. يقدم صاحب الموكب طعامه لعابر قد لا يراه مرة أخرى، ويفتح له مكاناً للراحة، ثم يمضي كل منهما وقد ترك أثراً في الآخر. يخرج الوقت في هذه الساعات من حساب الربح والإنتاج، ويصبح مجالاً للكرم والخدمة والتضامن. القيم هنا تمارس بالأيدي والأقدام؛ يقدمها الناس من غير مقابل، ويتلقونها من غير وسيط.

ومما يزيد هذه التجربة وضوحاً أن المشي يفرض على السائرين إيقاعاً متقارباً. الغني والفقير، وصاحب النفوذ وبسيط الحال، يحتاجون إلى الماء والراحة، ويشعرون بثقل المسافة على الأرض نفسها. تخف بذلك بعض الفوارق التي تملأ الحياة اليومية، وتنشأ مساواة مؤقتة تصنعها المشاركة. كأن الطريق يكتب دستوراً أخلاقياً يتبناه الناس بأجسادهم، من غير سلطة تأمرهم به.

وهذه المشاركة توقظ الحواس أيضاً. يسمع السائر الريح، ويشم رائحة التراب الحار، ويشعر باختلاف الأرض بين التراب والحجر والإسفلت. يعقد الجسد هدنة مع الطبيعة بعد أن اعتاد المرور بها مسرعاً، فينصت إلى المكان عوضاً عن الاكتفاء بعبوره. ومن يتعلم الإصغاء إلى الطريق يصبح أقدر على الإصغاء إلى الذين يسيرون معه، لأن الانتباه إلى المكان يفتح العين على من يشاركوننا العبور فيه.

هذه المعاني مجتمعة تجعل المسيرة احتجاجاً عملياً على شكل الحياة الذي فرضته السرعة. ملايين يتحركون في اتجاه معاكس لما صُمم العالم من أجله؛ يمددون الوقت، ويجتازون المسافة كاملة حتى آخر وجع في القدم. وكل خطوة تقول، من غير خطب أو بيانات، إن الزمن يعيش في التجربة قبل أن يظهر في الساعة.

لقد وعدنا العالم الحديث بوصول أسرع، ثم سلب منا الطريق من حيث لا نشعر. ومسيرة الأربعين تعيده إلينا، وتذكّرنا بأن البطء مقاومة لزمن يركض نحو النسيان. إنها تقول للعالم بهدوء يحمل تحدياً واضحاً: لسنا على عجل… نحن نصنع الزمن ونحن نمشي.

 



مشاركة المقال :