العقل : خادمٌ يتقن الخداع


العقل : خادمٌ يتقن الخداع

محمد الكلابي

قيل لنا طويلاً إننا كائنات عاقلة، وإن التفكير هو تاجنا الأعلى، الدليل الأوضح على تميّزنا. لكن الحقيقة أن العقل ليس ذلك الحكيم الذي يرشدنا في متاهة الوجود، بل خادم بارع في التنكّر؛ يتقن هندسة الحجج وتزيينها، لكنه نادراً ما يجرؤ على الصدق. إن التفكير، في صورته اليومية، ليس بحثاً عن الحقيقة بقدر ما هو بحث عن طمأنينة مقنّعة تشبه الحقيقة.

العقل، حين يشتغل، لا يبدأ من الصفر كما نتخيل، بل ينطلق من حيث تميل أهواؤنا. يفتش في الذاكرة عن أدلة تؤيد قناعاتنا، ينتقي منها ما يريحنا، ويُقصي ما يزعجنا. هو أشبه بمحامٍ عنيد لا يعنيه العدل، بل الفوز بالقضية مهما كانت واهية. من هنا تنشأ الأكاذيب الأنيقة التي نسمّيها “منطقاً”.

انظر إلى قراراتنا العاطفية: كم مرة اخترنا علاقة نعرف في أعماقنا أنها خراب مؤجل؟ ومع ذلك، يتدخل العقل ليبني دفاعاً مُحكماً، يصوغ أسباباً تبدو عقلانية، ويحوّل الرغبة إلى قناعة لا تقبل الشك. وحين تسقط القصة على أرض الواقع، يعود العقل نفسه ليعيد صياغة الحكاية بحيث نظهر كضحايا نبلاء أو أبطال خذلتهم الظروف، لا كأشخاص أعمَتهم الرغبة.

في السياسة والدين، يصبح الخداع أعمق وأشد دهاءً. لا أحد يعتنق فكرة سياسية بعد دراسة محايدة للوقائع؛ نحن ننحاز أولاً بدافع الانتماء أو الخوف أو البحث عن هوية، ثم يبدأ العقل في حياكة شبكة من التبريرات المحكمة. الأمر ذاته يتكرر في الدين؛ الإيمان غالباً اختيار وجداني أولاً، ثم يأتي العقل ليحشد النصوص والتفسيرات لتثبيت ما اختاره القلب مسبقاً.

الأخطر أن الذكاء لا يحمي من هذا الفخ. بل كلما ازداد العقل حدة، ازدادت مهارته في تزييف الوعي. العقول اللامعة لا ترتكب الأخطاء أقل، بل تخترع أعذاراً أكثر براعة لتبرير أوهامها. وهنا يكمن المأزق: الذكاء قد لا يحررك، بل قد يحوّلك إلى سجين بارع في تزيين قضبانه.

الحقيقة الصادمة أن معظم تفكيرنا ليس سعياً إلى المعرفة، بل مناورة لحماية الأنا من الانكسار. نحن لا نفكر بحثاً عن “ما هو”، بل بحثاً عما نحتمله. ولهذا يضيء العقل ما يرضينا ويترك بقية المشهد في ظلال كثيفة. ما لا نريد رؤيته، ببساطة، لا يدخل مجال النظر.

لكن التفكير الحرّ ممكن… وإن كان نادراً ومؤلماً. يحدث فقط حين نسمح لأنفسنا بلحظة شكّ خالصة؛ حين نفكر لا لنؤكد، بل لنختبر. هذه اللحظة أشبه بجرح متعمد للذات: انتحار صغير للأنا، لكنه الانتحار الوحيد الذي يولّد حياة جديدة. عندها فقط يصبح التفكير فعلاً تحررياً، لا مجرد خداع داخلي بلغة منمقة.

غير أن هذه الشجاعة ليست شائعة. معظم الناس يهربون منها دون وعي، يفضلون يقيناً هشّاً يريحهم على مواجهة أسئلة قد تقلب حياتهم رأساً على عقب. الحقيقة أن العقل، ما لم نروّضه، يظل مرآة مقعّرة: يُظهرنا كما نحب أن نكون، لا كما نحن.

ربما كان أصدق ما يمكن أن يقال عن العقل هو أنه مصباح انتقائي: يضيء الطريق الذي نريد أن نسلكه، ويترك بقية الحقيقة في الظل. ولعل أسمى أدواره لا يكمن في قدرته على الإقناع، بل في لحظته النادرة حين يتخلى عن غروره، ويختار أن يشعل ضوء الشك… لا ليهزم الأنا، بل ليحررها من وهْم أنها لا تخدع نفسها.



مشاركة المقال :