محمد الكلابي
هل نحن حقًا أحرار؟ أم أن كل ما نسميه حرية ليس إلا وهماً صنعناه كي نتحمل فكرة أننا مجبرون على الحياة؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكنه حين يطرق الوعي في لحظة صدق يخلخل ثقة الإنسان بنفسه من جذورها: هل نريد حقًا ما نريده، أم أننا فقط نخاف ألّا نريد شيئًا على الإطلاق؟
منذ أن اخترع البشر اللغة، تشبثوا بفكرة الحرية كأقدس ما في وجودهم. كبرت الأسطورة معهم حتى صارت الحرية عنوانًا للبشرية ذاتها: الإنسان كائن يختار، يرفض، يتمرد. لكن خلف هذه القشرة البطولية يكمن سر أعمق: أننا لا نختار لأننا أقوياء، بل لأننا نخاف. نخاف الفراغ، نخاف التسيير، نخاف العدم. ولولا هذا الخوف لما تشكلت فينا الحاجة إلى الحرية أصلًا.
إن الحرية ليست فضيلة تسبق الخوف، بل نتيجة له: الحاجة لأن نقرر هي محاولة يائسة لإثبات أننا لسنا قطعًا تتحرك في يد مصير أبكم. نختار كي نؤكد لأنفسنا أننا ما زلنا هنا، أننا ما زلنا نتحكم في سيرتنا، حتى لو كان ما نختاره تافهًا أو مؤذيًا. لأن أسوأ ما يمكن للإنسان تخيله ليس أن يخسر كل شيء، بل أن يكتشف أنه لم يكن يمتلك شيئًا ليخسره.
حين نتأمل قراراتنا الكبرى في الحياة — اختيار شريك، دراسة، مهنة، هجرة، حتى إنجاب أطفال — سنجد أنها في لحظتها الفاصلة لم تكن لحظة حرية خالصة، بل لحظة خوف من بديل مجهول. لم نختر لأننا متأكدون، بل لأننا عجزنا عن تحمل بقاء كل الاحتمالات معلقة فوق رؤوسنا. الاختيار هنا ليس تعبيرًا عن سيادة الإرادة، بل عن ذعر داخلي من الفراغ.
ونحن حين نؤمن أننا “أحرار” لا نقصد حرية الفكر أو الإبداع، بل تلك الطمأنينة النفسية التي تخدرنا: أنني على الأقل اخترت حياتي بنفسي، حتى لو كانت حياتي شقاءً. إن أكبر ما يطمئننا ليس جودة خياراتنا، بل كوننا من اختارها. هذا هو الخداع: الحرية تمنحك راحة نفسية لا دليل منطقي عليها.
ما يزيد خداع الحرية تعقيدًا هو أنها ترتبط في وعينا بالخوف من المجهول أكثر من السلطة أو القيد. فحتى لو زالت كل القيود الخارجية، يبقى الخوف الأكبر: ماذا لو كان لا شيء ينتظرنا لنختاره؟ ماذا لو لم يكن للكون خطة ولا غاية ولا معنى؟ هنا يصبح شعور الحرية ملاذًا لا فكرة فلسفية. إنه ستار نغطي به هشاشتنا أمام الأسئلة التي لا إجابة لها.
وهكذا تصبح الحرية قناعًا يتقنه الخوف: تظهر لنا كإرادة، لكنها تنبع من فزعنا من عدم السيطرة. الحرية ليست اختيارًا واعيًا يولد من طمأنينة داخلية، بل انفعال هستيري في وجه المجهول. الحرية هي رد فعل لا فعل. وهي — بهذا المعنى — وهم متقن الصنع: نحتاجه كي لا ننهار تحت وطأة الإدراك بأننا ضيوف عابرون في حياة لم نستشر في قدومنا إليها.
ورغم هذا كله، لا يمكننا الاستغناء عن هذا الوهم. لا أحد يستطيع أن يعيش بلا حرية، حتى لو كانت زائفة. لأن وهم الحرية هو ما يسمح لنا بتحمّل ثقل الزمن، وخسارات الحياة، وصدمات الواقع. الحرية ضرورية كي نكذب على هشاشتنا بأناقة. وهي الكذبة التي نحتاجها أكثر من أي حقيقة قد تسحقنا.
نحن لا نطلب الحرية لنعيش، بل لنُقنع أنفسنا بأننا لم نُجبَر على الحياة. ولعل أقسى لحظة قد تمر بنا هي التي ندرك فيها أن إرادتنا لم تكن يومًا دليلًا على قوتنا، بل كانت فقط الدليل الأكثر إقناعًا على مدى خوفنا من أن نكتشف حقيقتنا: أننا لم نكن أحرارًا قط، بل كائنات تهرب من رعب العدم… عبر وهم الاختيار.
مشاركة المقال :