في عالم تراجعت فيه الآلهة عن حياة الناس، أخذ الإنسان المتفوّق مكاناً يشبه مقام المعبود. صار الخلاص يُطلب في جداول الإنتاج وخطط التطوير، وتحول التقدّم إلى واجب أخلاقي يرافق المرء منذ أن يفتح عينيه صباحاً. كل لحظة مطالبة بأن تثمر، وكل شعور ينبغي أن يؤدي وظيفة، حتى الإنسان نفسه أصبح مادة قابلة للتحسين، كأن وجوده الراهن مسودة تنتظر مزيداً من التنقيح. يعيش وهو يسمع أمراً خفياً يدفعه إلى أن يكون أقوى وأذكى وأكثر إنجازاً، ثم يواصل الصعود من غير أن يمنح نفسه وقتاً كافياً ليسأل عن الجهة التي يقوده إليها هذا السلم.
أراقب هذا الإنسان فأراه يحمل نفسه على كتفيه كمشروع مؤجل الاكتمال. يستيقظ وفي داخله إحساس بأنه تأخر عن نسخة أفضل منه، فيقضي يومه محاولاً اللحاق بها. يقرأ كي يطوّر قدراته، ويعمل كي يثبت قيمته، ويمنح جسده قسطاً من الراحة ليعود أكثر قدرة على العمل. حتى الراحة دخلت في حساب الإنتاج، وفقدت معناها بوصفها زمناً خالصاً للهدوء، إذ أصبحت محطة قصيرة يستعيد فيها الجسد نشاطه قبل أن يعود إلى السباق.
هذا التصور يبتعد كثيراً عن المعنى الذي أراده نيتشه حين صاغ مفهوم الإنسان الأعلى. كان يفكر في إنسان يخلق قيمه بعد انهيار القيم الموروثة، ويتحمل مسؤولية المعنى الذي يختاره لحياته. فبعد «موت الإله»، وجد الإنسان نفسه في عالم فقد المرجعية التي كانت تخبره من يكون وكيف يعيش، وأراد نيتشه أن يجعل من هذا الفراغ مجالاً للخلق. الإنسان الأعلى عنده إمكان فلسفي مفتوح أمام من يملك الجرأة على صناعة قيمه، ثم يعيش وفقها ويتحمل ما يترتب عليها.
غير أن الأفكار الكبيرة تتغير أحياناً حين تغادر الكتب. انتقل مفهوم الإنسان الأعلى إلى سوق تطوير الذات، فأعيدت صياغته بما يلائم لغة الدورات ومقاطع الفيديو والخطط اليومية. صار أقرب إلى وصية تلاحق الإنسان في كل مكان: تجاوز نفسك، وواصل النمو، واستثمر طاقتك قبل أن تضيع. أخذ السوق قلق نيتشه الفلسفي وحوّله إلى برنامج عمل، ثم قدّم الإنسان الأعلى في صورة شخص يستيقظ في الخامسة صباحاً، ويمارس الرياضة، ويقرأ عشرات الكتب، ويتعامل مع كل دقيقة من عمره بوصفها رأس مال مهدداً بالخسارة.
تجيد ثقافة الإنجاز ابتلاع الأفكار الكبيرة. تمنح الفكرة هدفاً قابلاً للقياس، ثم تبيعها لمن يشعر بأنه لم يحقق ما يكفي. وما قاله إريك فروم عن المجتمع الذي تحكمه الإنتاجية يفسر جانباً مهماً من هذا التحول؛ فقيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بما ينجزه، وأي توقف طويل يوقظ فيه خشيةً من أن يفقد وجوده وزنه في أعين الآخرين وفي عينه هو أيضاً. ومع هذا الشعور تغيّر القلق نفسه، فانكمش السؤال عن معنى الحياة أمام سؤال المكانة، وصار المرء يقيس نفسه بعدد المتابعين وحجم العمل وسرعة التقدم.
كلما اتسعت هذه المقاييس، ضاقت المسافة بين ما يعيشه الإنسان وما يعرضه. ينجز شيئاً، ثم يلتفت فوراً إلى أثره في عيون الآخرين، كأن التجربة تحتاج إلى جمهور كي تكتمل. يقرأ أحدهم كتاباً وهو يفكر في الصورة التي سينشرها، ويسافر وهو يبحث عن المشهد الذي يصلح للعرض، ويتعلم مهارة جديدة وهو يتخيل موضعها في سيرته الذاتية. ومع الوقت يفقد ما يفعله شيئاً من معناه، لأن ذهنه يبقى معلقاً بالصورة التي ستصل إلى الناس، ويصبح الجمهور حاضراً حتى في أكثر لحظاته خصوصية.
ومن هذا النمط من العيش نشأت شخصية لا نجدها في فكر نيتشه. تحسن نفسها باستمرار لأنها تخشى أن تتأخر عن صورتها القادمة، وتدير يومها كما تُدار المؤسسة، وتراجع أداءها كما يراجع المدير حساباته، ثم تنظر إلى ذاتها بوصفها علامة تحتاج إلى التسويق والتجديد. تتحول التجربة إلى مادة للعرض، ويغدو الإنجاز دليلاً على القيمة، حتى يجد الإنسان نفسه مديراً لمشروع اسمه «ذاته»، وموظفاً فيه في الوقت نفسه.
يبدأ هذا المدير الداخلي بمحاسبة صاحبه على البطء، ويزرع فيه الذنب إذا مر يوم من غير نتيجة قابلة للتسجيل، ويجعله ينظر إلى التعب بوصفه تعطلاً في الأداء. المدير الذي كان يقف في مكان العمل انتقل إلى الرأس، وصار صوته جزءاً من الضمير. وحين يجلس الإنسان ساكناً، يسمع ذلك الصوت يطالبه بالنهوض، كأن السكون تهمة تحتاج إلى دفاع، وكأن اليوم الذي يمر من غير إنجاز يوم سقط من العمر.
هذا الكائن هو ما أسمّيه «السوبرمان المكتئب». يعرض القوة أمام الناس، ثم يعود إلى نفسه مستنزفاً. يبتسم في الصور ويتحدث عن التوازن، فيما يقضي ليله عاجزاً عن الهدوء. يخشى التوقف لأن الهدوء يضعه أمام السؤال الذي أخفاه طويلاً تحت طبقات العمل: ماذا يبقى مني حين يتوقف العرض؟
يقضي السوبرمان المكتئب عمره في مطاردة ذاته. يحقق هدفاً فتظهر أمامه صورة أعلى، ويبلغ رقماً فيجد رقماً آخر ينتظره. تمر لحظة الفرح سريعاً لأن الخطوة التالية تقتحمها قبل أن تستقر، فيظل سائراً نحو نفسه بينما تبتعد الصورة كلما ظن أنه اقترب منها. وما يراه الناس نجاحاً متصاعداً قد يكون في داخله سباقاً مع خوف لا يهدأ.
ومع امتداد هذا السباق يتسرب الثمن إلى الزمن والعفوية وحق الإنسان في الضعف. يفقد المرء قدرته على عيش اللحظة من غير حساب، ثم يصبح التعب عيباً يحتاج إلى تفسير، ويغدو الحزن حالة ينبغي اختصارها حتى يعود إلى نشاطه. تدخل المشاعر نفسها في جدول الأداء؛ يُمنح الألم وقتاً محدوداً، ثم يُطلب من صاحبه أن يستعيد توازنه سريعاً ويواصل إنتاجه كأن شيئاً لم يحدث.
بهذا الأسلوب تغير معنى القوة أيضاً. أصبحت صورة ينبغي الحفاظ عليها أمام الآخرين، وصار الإنسان يخشى أن يسقط قناعه في لحظة ضعف. تربى على أن العادية نوع من الإخفاق، فصار وجهه الطبيعي يثير فيه القلق، وحمل صورة أقوى منه ثم أمضى حياته خائفاً من انكشاف المسافة بينهما.
كان نيتشه يريد تحرير الإنسان من القيم التي تخنقه، فجاء عصرنا وصنع قيماً جديدة تؤدي الوظيفة نفسها بلغة ألطف. صار الإنسان سجّان نفسه، وأصبح التفوق قفصاً يصعب رؤيته، وتحول الإنجاز إلى سوط يمسكه صاحبه بيده. يمارس المرء هذه القسوة على نفسه وهو يظن أنه يحقق حريته، لأن الأوامر تصله في صورة نصائح مشجعة، وتظهر القيود في هيئة خطط للنجاح، ويُقدَّم الاستنزاف على أنه وفاء للطموح.
وتمنح حياة نيتشه نفسه الفكرة وجهاً مؤلماً. عاش كثير المرض، مثقلاً بالتعب، ثم انتهى إلى انهيار طويل. لذلك يصعب عليّ أن أراه في صورة البطل الذي صنعت منه ثقافة تطوير الذات نموذجاً جاهزاً. كان يصارع الفكر والجسد والعالم، وربما خرج مفهوم الإنسان الأعلى من هذه الهشاشة نفسها، من رغبة رجل متعب في تخيل قوة تساعده على احتمال الحياة.
كلما عدت إلى فكرته، شعرت أن عصرنا احتفظ منها بفعل الصعود وأهمل السؤال عن الوجهة. يطالب الإنسان بأن يتجاوز نفسه، ثم يمضي به إلى جبل لم يختره، ويقيس له سرعة الصعود، ويغريه بالقمة من غير أن يخبره بما ينتظره هناك. وقد يمضي المرء سنوات وهو يصعد بكفاءة، ثم يكتشف أن السلم كان مسنداً إلى جدار لا يعنيه.
عندها تستعيد القوة معناها الإنساني. تصبح قدرة على احتمال النقص، والاعتراف بالتعب، والإصغاء إلى الجسد حين يطلب التوقف. بعض الأيام تمر من غير إنجاز ظاهر، ومع ذلك تحفظ صاحبها من الانهيار. البطء إيقاع طبيعي للحياة، والانكسار تجربة تكشف حدود الإنسان، والتردد لحظة يبحث فيها العقل عن موضع قدمه قبل أن يواصل السير.
ومن يعرف حدوده يستطيع أن يتوقف قبل أن يتحول إلى حطام. يفهم أن الجسد يعمل وفق طاقته، وأن الروح لا تسير دائماً على إيقاع الجداول، وأن اجتياز يوم ثقيل قد يكون الإنجاز الوحيد الممكن. هذا النوع من الإنجاز لا يصلح للنشر، ولا يضيف سطراً لامعاً إلى السيرة الذاتية، لكنه يحفظ الإنسان من أن يصبح حطاماً ناجحاً.
أفكر أحياناً في إنسان يستطيع أن يعيش من غير أن يعرض نفسه كل يوم على محكمة الإنجاز. يتعامل مع فترات البطء بوصفها جزءاً من إيقاع حياته، ويمنح نفسه وقتاً كافياً حين تضيق به الأيام، ولا يجعل التعثر حكماً نهائياً على قيمته. عندها تستعيد الذات معناها، وتصبح حياة تُعاش، ويعود الإنسان إلى نفسه بعد أن أمضى سنوات يعاملها كمنتج يحتاج إلى تحسين مستمر.
ربما كانت حاجتنا إلى إنسان أقرب إلى نفسه أشد من حاجتنا إلى إنسان أعلى؛ إنسان يعرف أن التعب جزء من حياته، وأن التميز وحده لا يمنحه حق الوجود، وأن بعض الأيام تستطيع أن تمضي من غير هدف كبير أو نتيجة معلنة. يكفيه أن يعيش على وفاق مع نفسه، وأن يمنحها حقها في التوقف حين تثقل عليها الطريق.
فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون خارقاً كي يستحق حياته. يكفي أن يُسمح له بأن يكون إنساناً.
وأظن أن نيتشه، لو عاش بيننا ورأى ما فعلناه بفكرته، لكان أول من انهار تحت ضغط «الإنجاز الشخصي المستمر».
مشاركة المقال :