حين ترتفع المساومة إلى منزلة الحكمة، ويغدو الانحناء مهارةً سياسية، تستعيد كربلاء قدرتها على محاكمة الحاضر. فثورة الإمام الحسين عليه السلام تضع الإنسان أمام السؤال الذي تحاول الواقعية المفرطة تأجيله دائماً: ما قيمة البقاء حين يُشترى بالتنازل عن الحق؟ العمر الذي تُحفظ أيامه على حساب الكرامة يطول في التقويم، بينما يتآكل معناه في الداخل، ويصبح صاحبه شاهداً على سقوطه أمام نفسه.
أقرأ الحسين بوصفه موقفاً فلسفياً كاملاً من السياسة التي تجعل الضرورة باباً واسعاً لتبديل المبادئ. فقد وضع قيمة الإنسان في الموضع الذي يصون فيه ضميره، ورأى أن السلامة الجسدية تفقد معناها حين تتحول إلى شراكة في الظلم. ومن هذه الرؤية جاء قراره الذي تجاوز حدود اللحظة التاريخية، لأن الموقف الذي اختاره ظل قادراً على مساءلة كل سلطة تطلب الطاعة مقابل الأمان.
الفكر السياسي المنسوب إلى ميكافيلي منح بقاء الحاكم مكانةً مركزية في إدارة الدولة، وفتح أمامه مساحة لاستخدام الخديعة والقسوة متى رأى فيهما ضماناً لاستمرار حكمه. التقط الطغاة من هذا الفكر أكثر جوانبه قسوة، ثم اختصروه في العبارة الشهيرة: «الغاية تبرر الوسيلة». ومع مرور الزمن، تحولت العبارة إلى رخصة جاهزة تسمح للحاكم بأن يقدّم الكذب بوصفه حنكة، والبطش بوصفه حزماً، وإذلال الناس بوصفه ثمناً ضرورياً للاستقرار.
مارس الحكم الأموي هذا المنطق قبل أن يحمل اسم ميكافيلي بقرون. فقد استُخدمت الدعاية والترغيب والتهديد لإحاطة السلطة بهالة من الشرعية، وكان اسم الحسين يحمل وزناً دينياً وأخلاقياً يجعل بيعته مكسباً يتجاوز شخصه. أدرك الحسين أن توقيعه على الطاعة سيمنح الظلم غطاءً يرسخ في ضمير المسلمين، وأن أثر البيعة سيمتد أبعد من حياته، فاختار موقعاً يصون به معنى الدين من التحول إلى ختم يوضع تحت قرار الحاكم.
كان يعرف الطريق الذي يسير فيه، ويعرف مقدار القوة التي تقف أمامه. ومع ذلك مضى، لأن التراجع في تلك اللحظة كان سيترك أثراً أخطر من الموت. جسده صار الحد الأخير الذي توقفت عنده المساومة، ومن هذا الحد نشأ المعنى الذي بقي بعد أن انتهت المعركة. فقد ظن خصومه أنهم حسموا الأمر حين أسقطوه على أرض كربلاء، ثم اكتشف التاريخ أن الدم الذي أراقوه أصبح شهادة دائمة على طبيعة السلطة التي دافعوا عنها.
تكشف هذه الواقعة فساد السياسة التي تفصل الوسيلة عن الغاية. فالغاية التي تشق طريقها بالخديعة والقتل تحمل آثار تلك الوسائل في داخلها، مهما ارتدت من شعارات الدولة أو الاستقرار. يستطيع الحاكم أن يفرض الطاعة زمناً، ويستطيع الخوف أن يملأ الشوارع بالصمت، غير أن المجتمع الذي يتعلم الانحناء للأقوى يفقد بالتدريج قدرته على حماية الحق حين يعود الظلم بثوب جديد.
كربلاء زرعت في الوعي معنى مختلفاً للقوة. قوة الحسين ظهرت في ثباته حين صار التراجع أقرب الطرق إلى النجاة، وفي قدرته على حماية موقفه حتى اللحظة الأخيرة. لهذا بقيت هزيمته العسكرية حاضرةً في الضمير، بينما انكمش انتصار خصومه مع انكماش سلطانهم. احتفظ التاريخ بمن سقط في الصحراء، وترك أصحاب العرش أسرى الصفحة التي أرادوا إغلاقها.
كثير مما نسميه اليوم واقعيةً سياسية يحمل في داخله خوفاً مغطى بلغة ناعمة. يُقال للإنسان إن المصلحة تقتضي الصمت، وإن الظروف تحتاج إلى مرونة، وإن الوقت المناسب للكلمة سيأتي لاحقاً. تتكرر هذه النصائح حتى تصبح الكرامة قابلةً للتأجيل، ثم يكتشف المجتمع أن التأجيل تحول إلى عادة، وأن الحدود التي كان يرفض تجاوزها تراجعت خطوة بعد أخرى.
رسم الحسين حداً واضحاً للمساومة. فقد فهم أن الطاعة التي تُنتزع مرة واحدة تفتح الطريق أمام مطالب أشد، وأن السلطة حين تلمس استعداد الناس للتنازل توسّع مجالها في كل مرة. تجاوزت ثورته شخص يزيد إلى منطق سياسي كامل يجعل استقرار الحكم ذريعةً لترويض المجتمع، ويطلب من الناس أن يضحوا بقيمهم كي يبقى النظام آمناً.
هذا المنطق ظل حاضراً في عصور كثيرة، من الملوك الإقطاعيين إلى الدكتاتوريات الحديثة التي تحيط نفسها بمظاهر انتخابية. يقدّم الحاكم نفسه بوصفه صمام الأمان، ثم يطلب من الناس أن يغفروا له القمع لأن الدولة تواجه الخطر. تستقر الحجة في الأذهان، فيصبح الخوف دليلاً على الاستقرار، ويُعامل الصمت كعلامة على الرضا، ويغدو بقاء السلطة معياراً تقاس به مصلحة البلاد.
أرى في كربلاء كشفاً مبكراً لهذه الخدعة. فالدولة التي تصون نفسها بإذلال مواطنيها تهدم المعنى الذي قامت من أجله، والحاكم الذي يحرس عرشه بدم الناس يحوّل السلطة إلى عبء على المجتمع. قد يطول حكمه، وقد ينجح في إسكات خصومه، لكن طول العمر السياسي لا يمنحه مكاناً كريماً في الذاكرة، لأن التاريخ ينظر إلى ما فعله بالناس أكثر مما ينظر إلى عدد السنوات التي بقي فيها جالساً على العرش.
كلما رأيت البراغماتية تُسوَّق باعتبارها أعلى درجات الذكاء، تذكرت كيف تتحول المرونة إلى اسم مهذب للتلون. يغير بعض الناس مواقفهم مع تغير اتجاه القوة، ثم يقدمون هذا التغيير بوصفه فهماً عميقاً للواقع. يصبح المبدأ مادة قابلة للتأجيل، ويتحول الحق إلى بند تفاوضي، وتوضع الكرامة في آخر قائمة المصالح. ومع تكرار هذه المساومات، يحمي الإنسان بقاءه ويخسر الشيء الذي كان يمنح هذا البقاء قيمته.
منح الحسين للحياة معياراً يتجاوز طولها. فالإنسان يعيش بمقدار ما يصون جوهره، وتبقى أيامه جديرةً بالعيش حين يحتفظ فيها بقدرته على احترام نفسه. لهذا ظل الحسين حاضراً، لأن موته فتح معنىً راح يتجدد كلما واجه إنسان سلطةً تطلب منه أن يبادل ضميره بالأمان.
قراءتنا لكربلاء تفقد جوهرها حين تتوقف عند البكاء والطقوس. فالرجل الذي خرج لمواجهة تحويل الدين إلى غطاء للسلطة يضع أمامنا امتحاناً يتعلق بالسلوك اليومي. قد نرفع اسمه كل عام، ثم نعود إلى مساوماتنا الصغيرة، ونمنح الظالم بصمتنا ما امتنع الحسين عن منحه بدمه. عندئذ تصبح الذكرى عاطفةً موسمية، بينما يبقى الموقف الذي صنعها بعيداً عن حياتنا.
كل إنسان يمر بلحظة صغيرة من كربلاء: كلمة يخشى قولها، وحق يرى انتهاكه، وموقف يعرف ضرورته ثم يؤجله حفاظاً على مكانه. تتجمع هذه التنازلات في حياة المجتمع، ومنها تستمد السلطة الظالمة قدرتها على الاستمرار. فهي تدرك أن الناس قد يرفضونها في قلوبهم، ثم يمدون لها أسباب القوة بأفعالهم وصمتهم.
واجه الحسين البراغماتية بجسد وضعه أمام السلطة شاهداً على حدودها. ومنذ ذلك اليوم بقيت كربلاء قادرةً على مساءلة السياسة، لأنها أثبتت أن الخسارة تستطيع أن تحفظ كرامة الإنسان، وأن النصر قد يتحول إلى عار حين تُبنى راياته فوق أجساد المظلومين.
احتفظت السلطة التي قتلته بعرشها زمناً، واحتفظ الحسين بالمعنى. وكلما مرّت السنون، اتسعت المسافة بين عرش زال وموقف ظل حياً في ضمير الناس.
مشاركة المقال :