مجزرة الهوية الرقمية


مجزرة الهوية الرقمية

تتسارع اللحظات من حولنا حتى تكاد تحرم الإنسان من فرصة اللقاء بنفسه. إشعار يعقبه إشعار، وصورة تُزاح بأخرى، ورأي يكتسب قيمته من سرعة انتشاره ثم يختفي قبل أن يترك أثراً. وسط هذا الإيقاع، تتشكل الهوية تحت تأثير خوارزميات تنظر إلى الإنسان بوصفه مجموعة من الميول القابلة للقياس والتوجيه. وقد وصف زيجمونت باومان هذا التحول في إطار «الحداثة السائلة»، غير أن ما نعيشه اليوم يمضي بالهوية إلى مرحلة أشد تفككاً، إذ تتبخر ملامحها في تدفق متواصل من الصور والانطباعات، ويجد الإنسان نفسه مضطراً إلى إعادة تشكيل وجهه كلما تغير الجمهور الذي ينظر إليه.

يقدم المرء نفسه في كل منصة بالطريقة التي تلائمها، فينتقي لغته وصورته ومواقفه وفق المزاج السائد فيها. ومع تكرار هذا التكيف، تضعف المسافة بين ما يراه في داخله وما يعرضه للناس، ثم تتحول الهوية إلى سلسلة من الاستجابات السريعة. يكتب ما يضمن له القبول، ويصمت عما قد يهدد حضوره، ويغيّر نبرته كلما انتقل من دائرة إلى أخرى، حتى يصبح السؤال عن حقيقة موقفه أقل حضوراً من السؤال عن مقدار التفاعل الذي سيحصل عليه.

كان تعدد التجارب يوسّع شخصية الإنسان ويمنحها عمقاً، ثم أخذ التعدد الرقمي يدفعه إلى توزيع نفسه بين وجوه متباعدة. لكل جمهور نسخة تناسبه، ولكل منصة لغة تختلف عن الأخرى، فيصبح التناقض جزءاً مألوفاً من الحياة اليومية. وقد يمضي الإنسان بين هذه النسخ زمناً طويلاً من غير أن يشعر بأن شيئاً منه قد ضاع، لأن سرعة التبدل تحرمه من الوقوف أمام نفسه ومراجعة ما صار إليه.

أراقب هذه الحياة فأجد أن كثيراً من الناس انشغلوا بإدارة صورتهم أكثر من انشغالهم بفهمها. يقرأ أحدهم العبارة بعد كتابتها كما لو أنه يراها بعين الجمهور، ويختار صورته وفق ما تفضله المنصة، ثم ينتظر الأرقام كي يعرف مقدار حضوره. ومع الوقت تنتقل قيمة التجربة من أثرها في صاحبها إلى أثرها في الآخرين، ويصبح ما يعيشه مادة أولية للعرض قبل أن يأخذ مكانه الطبيعي في الذاكرة.

هذه الذاكرة نفسها تتعرض لتفكك متواصل. فالخبر يصل ثم يُدفن تحت خبر أحدث، والانفعال ينطفئ بمجرد ظهور موضوع أكثر إثارة، والتجربة تمر سريعاً من الوعي من غير أن تجد وقتاً للنضج. يتلقى الإنسان في يوم واحد قدراً من الصور والمواقف يفوق ما يستطيع استيعابه، فتتراكم المعلومات في ذهنه من غير أن تنتظم في رؤية. وعندما يفقد الماضي قدرته على التماسك، يصبح الحاضر سلسلة من اللحظات المعزولة، ويصعب على المرء أن يتخيل مستقبله بوصفه امتداداً لحياة يعرفها.

ينعكس هذا التفكك على علاقة الإنسان بنفسه، لأن الشاشات تملأ المساحة التي كان الصمت يشغلها في حياته. يمد يده إلى الهاتف عند أول لحظة فراغ، ثم ينتقل بين المقاطع والصور كي يحافظ على تدفق مستمر من التنبيه. يبدو الأمر تسلية عادية، غير أن التسلية المتواصلة تحميه من الأسئلة التي تنتظره في الداخل، وكلما اقترب من لحظة هدوء عاد إلى الشاشة كي يؤجل اللقاء.

صار الصمت ثقيلاً لأن الإنسان فقد عادته القديمة في الجلوس مع نفسه. الإشعار يمنحه مخرجاً سريعاً، والمقطع القصير ينقله إلى انفعال جديد، والتصفح يبدد الشعور بالفراغ قبل أن يكشف معناه. ومع استمرار هذا السلوك، ينمو داخل المرء خوف خفي من الهدوء، إذ يدرك أن انقطاع الضجيج سيعيد إليه أسئلة تراكمت طويلاً من غير جواب.

الخوارزميات بُنيت على فهم دقيق لهذه القابلية. تراقب ما يجذب الانتباه، وتقيس مدة التوقف، وتتعلم من كل حركة صغيرة، ثم تعيد ترتيب المحتوى بما يضمن بقاء المستخدم وقتاً أطول. وفي أثناء ذلك تتغير الأولويات والرغبات من غير أن يشعر صاحبها بمقدار ما طرأ عليها. ما يظهر أمامه يكرر نفسه حتى يبدو طبيعياً، وما يختفي من شاشته يخرج بالتدريج من مجال اهتمامه، فتتكون رؤيته للعالم داخل مساحة رتبتها الحسابات التجارية.

يختار الإنسان من بين المواد التي وضعتها الخوارزمية أمامه، ثم ينسب هذا الاختيار إلى حريته الخاصة. تبدو القائمة واسعة، لكنها تظل محكومة بما تعرفه المنصة عنه وما تريده منه. وكل نقرة جديدة تمنحها قدرة أكبر على توقع سلوكه، حتى تصبح رغباته أقرب إلى مسار يمكن التنبؤ به وإعادة توجيهه.

أشعر أن الخطر يبلغ مستوى أعمق حين تتحول الهوية إلى نمط إحصائي. ميول الإنسان ومخاوفه ومواطن ضعفه تدخل في ملف قابل للتحليل، ثم تُستخدم هذه المعرفة في تحديد ما سيراه وما سيشتريه وما سيغضب منه. ومع كثرة التكرار يصعب عليه أن يميز بين رغبة نشأت من تجربته ورغبة صنعتها البيئة الرقمية عبر التعرض المستمر.

تتسع سلطة الخوارزمية لأن أثرها يمر بهدوء. فهي تعيد ترتيب العالم أمام المستخدم، وتمنحه زاوية محددة للنظر، ثم تتركه داخل هذه الزاوية حتى يظنها المشهد كله. وقد يعيش شخصان في المدينة نفسها، ويقضيان أيامهما داخل عالمين مختلفين تماماً، لأن كل واحد منهما يتلقى واقعاً صُمم وفق تاريخه الرقمي.

يحتاج الإنسان إلى مسافة تحميه من هذا الالتصاق. تبدأ هذه المسافة حين يستعيد السيطرة على إيقاع يومه، ويمنح نفسه وقتاً يخلو من التنبيه المستمر، ويعيد للصمت مكانه في التفكير. عندها يستطيع أن يلاحظ الرغبات التي دخلت حياته من خارجها، وأن يراجع المواقف التي تبناها تحت ضغط الجمهور، وأن يختبر مقدار الصلة بين صورته الرقمية وتجربته الفعلية.

الانسحاب الواعي من سباق الانتباه يتيح للإنسان أن يرى المنصة من خارج شروطها. فالقرب الدائم يذيب قدرته على الملاحظة، بينما تمنحه المسافة فرصة لفهم ما يجري. وقد تكفي ساعات قليلة من الهدوء كي يدرك مقدار القلق الذي كانت الشاشة تخفيه، ومقدار الوقت الذي تسرب من يومه وهو يتابع حياة الآخرين ويعدل صورته أمامهم.

الهوية تحتاج إلى زمن هادئ كي تنمو. تحتاج إلى تجارب تستقر في الذاكرة، وإلى مواقف تُراجع، وإلى علاقات تختبر الإنسان بعيداً عن لغة العرض. والهوية التي تتشكل وفق حركة الجمهور تظل شديدة الحساسية تجاه القبول والنسيان، ويصبح غياب صاحبها عن المنصة قريباً في شعوره من غيابه عن الوجود.

يتضاعف هذا الخوف حين يعتاد الإنسان أن يرى نفسه من خلال ردود أفعال الآخرين. الإعجاب يطمئنه، والتجاهل يربكه، وتراجع التفاعل يدفعه إلى تعديل صورته من جديد. وبهذه الطريقة تصبح الهوية رهينة مزاج جمهور متقلب، فيما يتراجع الصوت الداخلي إلى مكان بعيد يصعب سماعه.

أكثر ما يثير قلقي في هذه الحياة أن الإنسان قد يمضي سنوات وهو يعيد تشكيل صورته وفق ما ينتظره الآخرون، ثم يجد نفسه عاجزاً عن معرفة الجزء الذي بقي له منها. فكيف تُبنى هوية تخص صاحبها داخل عالم يغيّر شروط القبول كل يوم؟ قد ينجح في صناعة حضور واسع، ثم يكتشف أن هذا الحضور استهلك الجزء الأكثر صدقاً فيه. وقد يتقن التكيف مع المنصات إلى درجة تجعله غريباً عن الحياة التي يعيشها بعيداً عنها.

تجري مجزرة الهوية على مهل، عبر تنازلات صغيرة تبدو عادية: رأي يُقال طلباً للقبول، وصورة تُنشر خوفاً من الغياب، ورغبة تُستعار لأنها تحظى باهتمام الجميع. تتجمع هذه التفاصيل بمرور الوقت، فتضعف صلة الإنسان بنفسه، ويصبح ما يراه في المرآة نتيجةً لخيارات صنعتها عيون كثيرة شاركت في تشكيله.

وحين يعود إلى الداخل بعد هذا الضجيج، قد يجد الفراغ الذي ظل يهرب منه طوال الوقت. غير أن هذا الفراغ يحمل أثراً من هويته القديمة، وينتظر منه أن يتوقف طويلاً بما يكفي كي يتعرف إليها من جديد.



مشاركة المقال :