كتب الأستاذ علاء الخطيب في الأسبوع الماضي مقالاً بعنوان «البقاء للأقوى»، قدّم فيه قراءةً فكرية جريئة لنزعة التوحش التي بدأت تفرض نفسها على واقعنا السياسي والإنساني، متتبعاً الطريق الذي انتقلت فيه القوة من فكرة داروينية مرتبطة بالبقاء إلى منطق واسع يبرر الغلبة ويمنحها صورة الشرعية. وقد بدا المقال، في جوهره، كأنه يكشف مقدار التراجع الذي أصاب مفاهيم الحق والخير والجمال حين تقدمت العضلة، وارتفع السلاح، وصارت السيطرة دليلاً على الاستحقاق.
تستحق هذه الفكرة أن تُقرأ بوصفها نظاماً للمعنى، لأن القوة حين تتجاوز وظيفتها تتحول إلى مقياس يُعاد على أساسه ترتيب العالم. الإنسان الذي يملكها يظهر أحق بالبقاء، وصوته يكتسب وزناً أكبر، وفعله يجد من يبرره، فيما يُدفع الضعيف إلى الهامش كأن نقص قدرته يلغي حقه. عند هذه الحدود يصبح الوجود نفسه خاضعاً لحساب الغلبة، ويبدأ المجتمع في النظر إلى الناس من خلال مقدار ما يستطيع كل واحد منهم أن يفرضه.
وقد يُفهم من كلامنا أن القوة شر في ذاتها، وهذا فهم يضيّع أصل المسألة؛ فالقوة ضرورة حين تحرس حقاً، وتصبح خطراً حين تنفرد بتعريف الحق. الدولة تحتاج إليها كي تحمي حدودها، والإنسان يحتاج إليها كي يدافع عن نفسه، غير أن هذه القوة تفقد وظيفتها حين تنقلب إلى قيمة مستقلة، وتفرض لغتها على الأخلاق والعقل والعلاقات بين الناس.
يُستحضر نيتشه كثيراً في هذا الموضع، ويُقدَّم أحياناً كما لو كان داعيةً إلى القوة الغاشمة، مع أن حديثه كان متصلاً بتجاوز الذات والتحرر من الأخلاق القطيعية التي تمنع الإنسان من النمو. ويكفي أن نتذكر عبارته الشهيرة: «من يقاتل الوحوش، عليه أن يحذر ألّا يتحول هو نفسه إلى وحش، وإذا نظرت طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية تنظر إليك أيضاً»، لندرك أنه كان يرى القوة امتحاناً لصاحبها، ويخشى ما تتركه فيه حين يطيل استعمالها.
فالإنسان الذي يواجه الوحش بأدواته يبدأ في اكتساب شيء من طبعه، وقد يقبل في البداية قدراً محدوداً من القسوة تفرضه الضرورة، ثم تتسع الضرورة في ذهنه حتى تصبح تفسيراً لكل ما يفعل. ومع كل استعمال جديد للقوة تتغير نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، ويغدو ما كان استثناءً عادةً، وما كان وسيلةً أسلوباً دائماً في الحياة.
تبدأ القوة عندئذ في التهام صاحبها من الداخل، لأنها تدفعه إلى رؤية الناس بوصفهم خاضعين أو متمردين، نافعين أو خطرين، وتغلق أمامه المساحات التي تقوم فيها العلاقة على الثقة والاحترام. يزداد شعوره بالسيطرة، وتزداد معه حاجته إلى تأكيدها، لأن القوة التي لا تُختبر تفقد في نظر صاحبها قيمتها، فيبحث لها دائماً عن خصم جديد وميدان جديد.
التاريخ مليء برجال امتلكوا أدوات البطش حتى ظنوا أن البقاء صار مضموناً لهم، وكان نيرون واحداً من أبرزهم. حكم إمبراطورية واسعة، وأحاط نفسه بالجنود والسلطة، ثم انتهى مطارداً ومنبوذاً، وبقي اسمه مرتبطاً بالخراب أكثر من ارتباطه بالحكم. لقد امتلك أسباب السيطرة كلها، ثم خسر السبب الأخلاقي الذي كان يمكن أن يمنح وجوده معنى يتجاوز زمنه.
وفي الطرف الآخر يقف جاليليو، رجلاً محكوماً ومهدداً، يواجه مؤسسة تملك المحكمة والسجن والقدرة على إسكات صوته. بدت موازين القوة في زمنه محسومة، غير أن الفكرة التي حوصرت معه خرجت من الغرفة الضيقة، واتسعت عبر القرون، وصارت جزءاً من الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الكون. بقي جاليليو لأن ما حمله كان أعمق من الظرف الذي قيده، وبقي نيرون مثالاً على عجز القوة حين تحاول صناعة الخلود.
تكشف المقارنة بينهما أن القوة تستطيع السيطرة على الجسد، فيما تحتاج الفكرة إلى زمن كي تثبت سلطانها. السلاح يفرض الصمت، والخوف يدفع الناس إلى الطاعة، إلا أن هذا الصمت يخزن في داخله رفضاً مؤجلاً، وتبقى الطاعة معلقةً على استمرار القدرة على التخويف. أما الفكرة التي تقنع العقل فتستقر فيه وتتحول إلى جزء من وعيه، ولذلك تعبر الأزمنة من غير جيش يحرسها.
الحاكم الذي يعتمد على العنف يضطر إلى زيادة جرعته مع مرور الوقت، لأن الناس يعتادون ما كان يرعبهم في البداية، ولأن الهدوء الذي يصنعه الخوف يحتاج دائماً إلى تهديد جديد. تبدو السلطة في ظاهرها أكثر صلابة، فيما تتآكل في داخلها قدرتها على إنتاج القبول، فتدخل في دائرة لا تعرف فيها وسيلة للحفاظ على نفسها سوى المزيد من البطش.
يصبح العنف عندئذ جزءاً من بنية النظام، ثم ينتقل من القمة إلى المجتمع، فتتغير اللغة التي يتحدث بها الناس عن القيادة والنجاح. القسوة تسمى حزماً، والإقصاء يقدم بوصفه كفاءة، والبطش يلبس ثوب الضرورة، حتى تتحول القوة إلى فضيلة عامة يتباهى بها الحاكم ويعجب بها الجمهور.
هذا الإعجاب يهيئ المجتمع لقبول ما سيصيبه لاحقاً، لأن القوة التي مُنحت حق اختيار ضحاياها في البداية لن تتوقف عند حدود الخصوم. يصفق الناس لها وهي تضرب من يكرهون، ثم يكتشفون أن المعيار الذي برر الضربة الأولى صار قادراً على الوصول إليهم. فالسلطة التي تتغذى على الخوف تحتاج إلى عدو دائم، وحين ينتهي عدو تبحث عن غيره كي تبرهن على ضرورتها.
وقد ينقلب الوحش الذي صُنع لحراسة العرش على صاحبه حين يشم فيه ضعفاً، لأن النظام الذي يكافئ البطش يعلّم رجاله أن القيمة كلها في القدرة على الغلبة. يتعلم التابع هذه القاعدة جيداً، ثم ينتظر اللحظة التي يملك فيها قوةً أكبر، وعندها يطبق على سيده المنطق نفسه الذي كان يخدمه به.
يمتد هذا الخلل إلى الإنسان العادي أيضاً، فيعيش داخل مجتمع يقيسه بما يملك ويستطيع فرضه، ويرى في الآخر منافساً محتملاً، وفي العلاقة ساحةً لاختبار النفوذ. تضيق مساحة الرحمة، ويصبح التراجع ضعفاً، ويُطلب من الفرد أن يحمي موقعه باستمرار، حتى تتحول الحياة إلى حالة دفاع طويلة تفقد فيها الطمأنينة معناها.
ويحمل شعار «البقاء للأقوى» خطورته الأكبر حين يجعل البقاء غايةً مستقلة عن القيمة التي يُفترض أن يعيش الإنسان من أجلها. قد ينتصر الرجل على خصومه، ويحفظ موقعه، ويؤجل سقوطه، ثم يجد نفسه بعد سنوات أمام حياة أمضاها في حماية ما انتزعه، من غير أن يعرف لماذا كان يستحق كل ذلك العناء.
بهذا المعنى، لا يصبح الانتصار أكثر من تأخير للهزيمة، لأن البقاء الذي يخلو من المعنى يظل معلقاً على قوة قد تزول في أي لحظة. أما ما ينجو حقاً فهو الأثر الذي يتركه الإنسان في وعي غيره، والفكرة التي تواصل حياتها بعد غياب صاحبها، والقيمة التي تمنح وجوده سبباً يظل مفهوماً بعد موته.
تصدأ السيوف مهما اتسعت البلاد التي فتحتها، وتبقى الكلمات التي استطاعت أن تعبر من تحتها. القوة قد تمنح صاحبها زمناً أطول في الحكم، غير أنها لا تمنحه سبباً أخلاقياً ليبقى في ذاكرة الناس. وحين تنفرد بتوجيهه، تبدأ في التهامه ببطء، حتى لا يبقى منه سوى الاسم الذي يذكره التاريخ كلما أراد أن يشرح كيف يسقط الإنسان وهو يظن أنه بلغ ذروة قوته.
مشاركة المقال :