التوراة تقصف غزة


التوراة تقصف غزة

حين تحلّق طائرات الكيان الصهيوني فوق غزة، يصل هديرها من زمنين في وقت واحد؛ زمن غرف العمليات الحديثة بما فيها من خرائط وأجهزة وإحداثيات، وزمن أقدم تسكنه أوامر القتل الواردة في سفر يشوع وسفر التثنية. وقد يبدو القصف لمن يراقبه من بعيد استجابةً لخطر أمني أو عملاً عسكرياً تحكمه ضرورات الحرب، غير أن الخطاب الذي نشأت عليه الصهيونية الدينية يضع الفلسطيني داخل رواية سبقت وجود الدولة نفسها، وجعلت الأرض وعداً إلهياً، وكل من يسكنها خارج هذا الوعد عائقاً ينبغي إزالته.

لهذا لا يبدأ السؤال في الذهنية الصهيونية من السبب الذي يجعل الفلسطيني هدفاً للقتل، وإنما من الحق الذي يتيح له البقاء على أرض تزعم تلك الذهنية أن الرب كتب ملكيتها لبني إسرائيل. وحين تستقر هذه الفكرة في الوعي، يصبح المدني امتداداً للمقاتل، ويغدو الحي السكني جزءاً من أرض معادية، فتتسع الضربة حتى تشمل البيت والمستشفى والمدرسة، لأن الطائرة تؤدي في المخيلة الدينية وظيفة رسول يحمل النبوءة إلى الأرض.

يقول سفر التثنية، في الإصحاح العشرين، العدد السادس عشر: «أما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً، فلا تستبقِ منهم نسمةً». ويورد سفر يشوع، في الإصحاح السادس، العدد الحادي والعشرين: «حرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف». ثم يأتي الأمر في سفر صموئيل الأول، الإصحاح الخامس عشر، العدد الثالث: «فالآن اذهب واضرب عماليق، وحرّموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً».

بقيت هذه النصوص حاضرةً في الوعي الصهيوني، ودخلت المناهج والخطاب الديني والسياسي، حتى أصبح الفلسطيني في بعض القراءات المعاصرة امتداداً للكنعاني والعماليقي واليبوسي الذين تتحدث الأسفار عن إبادتهم. فالطفل الذي يولد في غزة لا يُنظر إليه بوصفه طفلاً يعيش خوفه الأول، وإنما بوصفه استمراراً لجماعة موضوعة منذ البداية خارج الوعد، وبذلك تُنتزع عنه صفته الإنسانية قبل أن تصل إليه القذيفة.

تنتقل هذه الرؤية إلى الجندي عبر مؤسسة دينية ترافق الجيش وتمنح فعله لغةً مقدسة. فالمجند الذي يضغط الزناد يقف إلى جواره حاخام يقرأ له ويذكّره بالنص، وتتحول الحاخامية العسكرية من هيئة للإرشاد الروحي إلى جزء من البنية التي تشرعن الحرب باسم الرب. وقد أفتى الحاخام أفيحاي رونسكي، الرئيس السابق للحاخامية العسكرية، بأن قتل المدنيين الفلسطينيين ينسجم مع أوامر التوراة، كما وُزعت في مناسبات متكررة كتيبات دينية على الجنود قبيل الهجمات، تحثهم على استحضار نصوص الإبادة و«المحرّمات» التي ينبغي استئصالها.

عندئذ لا تعود الطلقة عملاً فردياً يؤديه جندي في لحظة مواجهة، لأنها تخرج من فوهة البندقية وفي داخلها تفسير كامل للعالم؛ شعب اختاره الرب، وأرض وعده بها، وجماعة تقف بينه وبين اكتمال الوعد. ويكتسب القتل بهذه الطريقة طمأنينة دينية تخفف عن المنفذ شعوره بالمسؤولية، إذ يتخيل نفسه أداةً في تنفيذ أمر أعلى، ويقرأ الدم الذي يسفكه بوصفه خطوةً في طريق مقدس.

وما يقوله الحاخام للجندي يجد صداه في كلام السياسي الذي يحدد وجهة الدولة. فقد قال بنيامين نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس عام 2015: «هذه الأرض وعدنا الله بها كما جاء في سفر التكوين». وتحمل الأحزاب الدينية المتطرفة، وفي مقدمتها «القوة اليهودية»، هذا الوعد من المنبر إلى القانون ومن القانون إلى الأرض، ساعيةً إلى تجسيد النبوءات التوراتية في الاستيطان والتهجير وتوسيع السيطرة.

لا تحتاج المجزرة بعد ذلك إلى أن تظهر كحادث منفصل عن هذا البناء، فهي تأتي كصفحة جديدة في سفر لا يزال أتباعه يكتبون تنفيذه على أجساد الفلسطينيين. وتقارير «Breaking the Silence» توثق شهادات جنود صهاينة يتحدثون عن تعليمات ميدانية صيغت بلغة «التطهير الكامل»، بينما تسجل منظمة «B’Tselem» نمطاً متكرراً من قتل الأسر، وقصف المنازل من دون تحذير، ومحو الأحياء بالطريقة التي تروي بها أسفار يشوع محو المدن القديمة.

وأحسب أن أخطر ما تفعله هذه النصوص حين تدخل إلى الدولة أنها تنقل الجريمة من مجال القرار السياسي إلى مجال الواجب الديني، فيصبح الاعتراض عليها اعتراضاً على إرادة الرب، ويغدو التراجع عنها خيانةً للوعد. فالقانون يمكن مراجعته، والخطة العسكرية يمكن تعديلها، أما الأمر الذي يُنسب إلى السماء فيكتسب حصانةً تجعل القاتل مطمئناً إلى أن الدم الذي أراقه يؤدي وظيفةً مقدسة.

بهذه العقيدة يُقصف الفلسطيني لأنه يقف خارج الرواية التي كتبتها الصهيونية لنفسها. وجوده المادي على الأرض يناقض الحكاية التي تريد أرضاً بلا أهل، وذاكرته تربك الوعد الذي يفترض أن التاريخ توقف عند نص قديم، ثم عاد بعد آلاف السنين كي يسلّم الملكية إلى جماعة واحدة. وكل بيت فلسطيني قائم، وكل زيتونة بقيت في مكانها، وكل طفل يحمل اسم قريته، يذكّر أصحاب هذه الرواية بأن الأرض لم تكن فارغةً في يوم من الأيام.

يتحول القصف تبعاً لذلك إلى محاولة لمحو الشاهد الذي يكذب الحكاية. فالمنزل يحمل تاريخ الأسرة، والحي يحفظ أسماء سكانه، والمقبرة تثبت امتداد الناس في المكان، ولهذا تتوجه آلة الحرب إلى العمران والذاكرة معاً، فتدك المبنى وتقتل ساكنه وتقطع الصلة بين الأجيال، كأنها تريد أن تجعل الواقع مطابقاً للنص بالقوة.

ما يجري في غزة تطبيق حديث لسفر قديم، تتحرك فيه الطائرة بلغة العصر وتحمل في مهمتها روح الوصية التي طالبت بإبادة الرجال والنساء والأطفال. الاجتياح يصبح تجسيداً لأمر مقدس، والتهجير يتحول إلى استكمال للوعد، والفلسطيني يعيش داخل كتاب لم يكتبه، ثم يُعاقب لأن وجوده يناقض خاتمته التي أعدها الآخرون سلفاً.

ستظل النار تجد من يبررها ما دامت هذه الأسفار تُستدعى لتشريع المذبحة، وما دام النص القديم قادراً على دخول المدرسة والثكنة والبرلمان وغرفة العمليات. فكل قذيفة تُطلق على غزة تحمل معها قراراً عسكرياً وآيةً جرى إخراجها من زمنها وتحويلها إلى سلاح، وكل نعش فلسطيني يغلق يكشف أن المحو بدأ في الكتاب قبل أن يصل إلى الأرض.


مشاركة المقال :