تحيرتُ هذا الأسبوع وأنا أبحث عن موضوع يستحق الكتابة، فحيرتي نبعت من وفرة القضايا التي بلغت حد التخمة وجعلت كل شيء متاحاً ومبتذلاً، فكل قضية مطروحة ومعلقة، وكل حدث يُستهلك حتى قبل أن يكتمل، والأخبار تتدفق بسرعة الضوء والتحليلات تتوالد بلا توقف، وكأن العالم يخشى الفراغ أكثر من خشيته للفوضى، مما دفعني للتوقف أمام سؤال يلحّ عليّ بعنف عما إذا كانت الكتابة في يومنا هذا تظل فعلاً ضرورياً، أم أنها تحولت إلى استجابة لا واعية لوهم الإنتاج المستمر الذي يطاردنا، فنتساءل بمرارة عما إذا كان ما نخطّه يضيف جديداً، أم أننا نساهم في تكثير الضجيج الذي يغمر الحقيقة ويحجبها.
على مر العصور، تجلت الكتابة بوصفها فعل مقاومة يواجه النسيان والزيف وسطوة السرديات المفروضة، فالملاحظ أنها اليوم غدت جزءاً من ماكينة ضخمة تفرم الكلمات لتعيد إنتاجها في أشكال براقة تخلو من الجوهر، فبعد أن كانت وظيفتها تفكيك الوهم صارت تساهم في صناعته وتكيف الحقيقة لتلائم المتلقي وتريحه من عناء التفكير، وفي زمن الأخبار العاجلة نجد أنفسنا نكتب قبل أن نفهم ونحلل قبل أن نتحقق، ونلقي بالتعليقات قبل أن تتضح الصورة، مما جعل الرأي يتحول إلى استجابة لحظية مدفوعة بسرعة الحدث، وهذا التدفق اللانهائي جعل الفكرة تفقد عمقها وتصبح مجرد صدى لضغط اللحظة، فالعقل يحتاج إلى الصمت ليعيد التفكير، والبيئة التي تمنع التوقف تمنع بالضرورة إنتاج فكر حقيقي.
ربما لهذا السبب يغدو السكوت أحياناً أكثر تعبيراً من أي مقال، فـالامتناع في عالم لا يعرف كيف يتوقف عن الكلام يمثل الشكل الأخير من المقاومة، وهو اختيار واعٍ للابتعاد عن لعبة تستهلك الحقيقة، إذ يظل العزوف عن إضافة صوت جديد إلى هذا الصخب الفعل الأكثر اتساقاً مع الذات التي تضيع وسط كثرة المدعين، وأحسب أن في هذا الانقطاع حضوراً مختلفاً للعقل وفرصة لاستعادة القدرة على التمييز بين ما يستحق أن يُلفظ وبين الاستجابات الغرائزية، وحين يهجر الكاتب الورق فهو يحمي صوته من التآكل ومن الذوبان في سوق مفتوح للكلمات التي تغيب عنها الفائدة، فالمفكر حين يلوذ بالصمت يعيد بناء رؤيته بعيداً عن الضجيج الذي يفسد الرؤية.
لكن، في المقابل، متى يصبح الصمت خيانة، وكيف يتحول من فعل واعٍ إلى تهرب من المواجهة؟ وهل يسوغ للكاتب أن يلوذ بالسكوت في زمن يحتاج فيه العالم إلى صوت حقيقي؟ فإذا كان الامتناع أحياناً هو الفعل الأكثر بلاغة، فقد يكون في أحيان أخرى مجرد تواطؤ مع العبث، إذ ليست كل استكانة فضيلة، كما أنه لا توجد كتابة تمثل ضرورة مطلقة، فالقيمة تكمن في السياق والدافع والوعي الذي يحرك الموقف، وشتان بين سكون ينبع من العجز وبين خيار حر يكتسب قوته من قدرته على تجاوز الكلام؛ إذ أحسبُ أن المسألة انصبت الآن على اختبار الفاعلية، ومدى امتلاك الحرف لسلطة حقيقية تمنحه القدرة على إحداث فرق؛ فإذا لم يكن كذلك، فربما يكون المقال الأكثر جرأة هو الذي لم يُكتب بعد.
مشاركة المقال :