تقوم السردية الصهيونية الدينية، في أكثر صورها تطرفاً، على فكرتين تتداخلان حتى يصعب الفصل بينهما: سلطة تستمد مشروعيتها من الاختيار الإلهي، وذاكرة تاريخية تُستدعى لتغذية شعور متجدد بالثأر. وحين تنتقل عبارة «شعب الله المختار» من معناها الديني إلى المجال السياسي، تتحول إلى أساس يرفع جماعة فوق غيرها، ويمنح مشروع السيطرة هيئة الحق المقدس، ثم يعيد ترتيب البشر بحسب قربهم من هذا المشروع أو وقوفهم في طريقه.
وقد زادت روايات الاضطهاد والشتات من قوة هذا التصور داخل بعض التيارات الصهيونية، إذ استُعيدت حكايات مصر وبابل بوصفها ذاكرةً حيةً للعداء، ثم وُظفت لإنتاج شعور تاريخي يرى الحاضر امتداداً لصراع قديم. وبذلك لا يعود الماضي مادةً للفهم، وإنما يتحول إلى خزان سياسي تُسحب منه صور الخصم كلما احتاج المشروع الصهيوني إلى تبرير توسع جديد أو حرب جديدة.
تتغذى فكرة الثأر من هذه الذاكرة، فتظهر المطالبة بما يسمى «الحق التاريخي» كأنها استعادة لما سُلب، حتى حين يكون ثمنها اقتلاع شعب يعيش على أرضه. ويعبّر بعض قادة اليمين الصهيوني عن هذا المنطق بلغة تنزع عن الفلسطيني صفته الإنسانية، فتجعله جزءاً من خطر ينبغي ضبطه أو استئصاله، وتفتح الطريق أمام قبول أفعال كان يصعب تبريرها لو ظل الضحية إنساناً كاملاً في نظر من يقتله.
تمنح النصوص التوراتية المتطرفة هذا الخطاب مادته الأشد قسوة. ففي سفر التثنية، الإصحاح العشرين، ترد أحكام تتعلق بالمدن البعيدة التي يدخلها بنو إسرائيل في الحرب، حيث يُعرض عليها السلام أولاً، غير أن هذا السلام يقوم على الخضوع وأداء الجزية والعمل القسري. وإذا رفضت المدينة، تُحاصر ويُقتل رجالها، بينما تُؤخذ النساء والأطفال والممتلكات غنائم حرب، كما يرد في سفر التثنية 20: 10-14.
يكشف هذا النص معنى السلام حين يُصاغ داخل عقلية الغلبة، فهو يمنح الطرف الآخر خياراً واحداً في صورتين: أن يخضع طوعاً، أو يُخضع بالقوة. وتغيب عنه العلاقة المتكافئة بين جماعتين، لأن أحد الطرفين يدخل الحرب وهو يحمل اعتقاداً سابقاً بحقه في السيادة، فيما يُختصر الطرف الآخر في مقدار ما يستطيع تقديمه من خدمة أو غنيمة.
وتزداد الصورة عنفاً في الحديث عن المدن الكنعانية، إذ يرد في سفر التثنية 20: 16-18 أمر بإبادة كل ما فيها، وإبقاء الأرض خاليةً من سكانها خشية أن تنتقل معتقداتهم إلى بني إسرائيل. هنا يتحول الاختلاف الديني إلى سبب للمحو، ويأخذ التطهير صورة واجب يحمي الجماعة المختارة من تأثير الآخر، حتى تشمل الإبادة الرجال والنساء والأطفال والبهائم.
هذه النصوص، حين تُقرأ خارج سياقها التاريخي وتُنقل إلى مشروع سياسي معاصر، تمنح التوسع لغةً تتجاوز حسابات الحدود والموارد. الأرض تصبح وعداً سابقاً على وجود سكانها، والاحتلال يظهر كأنه استرداد، والتهجير يُقدَّم بوصفه إعادةً للتاريخ إلى مساره الصحيح. وبذلك يكتسب المشروع الصهيوني الديني قدرةً على تحويل الجريمة الواقعة في الحاضر إلى تنفيذ متأخر لأمر قديم.
ولا يخفى أن الخطر يكمن في هذه النقلة تحديداً، لأن النزاع السياسي يمكن أن يخضع للتفاوض والتسوية، بينما العقيدة التي تضع السيطرة داخل مشيئة إلهية تضيق فيها مساحة التراجع. فكل تنازل يبدو تخلياً عن الوعد، وكل وجود فلسطيني داخل الأرض يصبح شاهداً يعطل اكتمال الرواية، وكل مقاومة تُقرأ كتمرد على حق مقدس سبق أن حُسم في النص.
تتسع أطماع بعض القراءات الصهيونية الدينية لتشمل المجال الممتد من النيل إلى الفرات، وتتعامل معه بوصفه جزءاً من حدود الوعد. وبهذا المعنى يغدو المشروع أكبر من احتلال موضع أو السيطرة على مورد، لأنه يحمل تصوراً كاملاً عن الأرض ومن يحق له السكن فيها، وعن الشعوب التي ينبغي إخضاعها أو إبعادها حين تعترض طريق هذا التصور.
وقد يظن القارئ أن الكلام عن هذه العقيدة يخص الماضي وحده، مع أن أثرها يظهر في لغة الأحزاب الدينية المتطرفة، وفي خطاب الاستيطان، وفي الطريقة التي تُبرر بها الحروب والتهجير. فالنص القديم يبقى ساكناً ما دام في الكتاب، ثم يتحول إلى قوة سياسية حين يجد من يقدمه بوصفه برنامجاً صالحاً للحاضر، ويمنح الدولة الحديثة مهمة تنفيذ ما عجزت القرون السابقة عن إتمامه.
لهذا لا يكفي التعامل مع المشروع الصهيوني بوصفه نزاعاً على حدود قابلة للتعديل، لأن الجانب العقائدي فيه يضع شعوب المنطقة أمام تصور ينظر إلى وجودها من خلال مقدار انسجامه مع الوعد أو تعارضه معه. ومواجهة هذا التصور تبدأ بفهم بنيته، وكشف الطريقة التي يستخدم بها التاريخ والدين لتبرير القوة، ثم الفصل الواضح بين الإيمان بوصفه تجربةً روحية وبين تحويل النص إلى رخصة للسيطرة والاقتلاع.
المعركة في جوهرها تتصل بحق الشعوب في أن تعيش خارج الرواية التي كتبها عنها خصومها. فالإنسان الذي يسكن أرضه لا يحتاج إلى أن يثبت قيمته أمام نص يضعه في مرتبة أدنى، ولا يجوز أن يتحول الماضي الديني لأي جماعة إلى حكم يصادر مستقبل جماعات أخرى. وحين تُمنح عقيدة التوسع سلطةً فوق القانون والضمير، يصبح الدفاع عن الأرض والحرية دفاعاً عن حق الإنسان نفسه في ألّا يُمحى خدمةً لوعد لا يعترف بوجوده.
مشاركة المقال :