محمد الكلابي
تخيّل أنك تجري في سباقاً لا تعرف متى بدأ، ولا مَن وضع قواعده، ولا حتى ما الجائزة في نهايته. كلما شعرت أنك تقترب من خط النهاية، ظهر واحداً جديداً أبعد، أكثر بريقاً، لكنه أيضاً أكثر غموضاً. تلهث، تتسارع أنفاسك، تسقط أحياناً، تنهض مرغماً. هناك من يُصفّق لك، وهناك من يتجاوزك، لكن أحداً لا يخبرك لماذا تركض، أو إن كنت حقاً تريد أن تركض.
هكذا تبدو حياة الإنسان المعاصر تحت ضوء شوبنهاور. ذاك الفيلسوف الذي لم يرَ في الرغبة شيئاً بطولياً، ولا اعتبرها محركاً نبيلاً للتقدم كما رآها آخرون، بل عرّاها حتى العظم. رأى فيها لعنةً خفية، جذوةً لا تنطفئ، تتقمص شكلاً للأمنيات والطموحات، لكنها في جوهرها، مجرد إعادة إنتاج مستمر للنقص. كل رغبة تتحقق، لا تهدأ، بل تُنجب غيرها. وهكذا يتحول الإنسان إلى كائناً تائهاً، يتنقل من رغبة إلى أخرى، دون أن يجد سكينةً في أي محطة.
لكن، ما كان في زمن شوبنهاور “رغبة طبيعية” – كالحب، الإنجاز، أو البحث عن المعنى – تحوّل اليوم إلى نسخةٍ هجينة، مشوهة، لا تنبع من أعماق الذات، بل تُضخ من خارجها. فالرغبة الحديثة لا تُولد في القلب، بل تُصنّع في مصانع الإعلان، تُبرمج في خوارزميات التطبيقات، وتُسوّق كسلعٍ في رفوفٍ لا نهائية. لقد تحوّلت الذات إلى مشروعٍ تسويقي متنقل: ملف شخصي، صورة محسّنة، سيرة منجّمة، وأداء دائم أمام جمهورٍ لا يُعرف مَن هو أصلاً.
الرأسمالية الحديثة لا تبيع منتجاً فقط، بل تبيع نموذجاً للحياة. لا تسوّق هاتفاً، بل صورة عن الذات الناجحة. لا تسوّق عطلةً، بل فكرة أنك “تعيش الحياة الصح”. تُزيِّن الرغبات، وتزرع القلق، وتُقنعك أن “ما أنت عليه الآن” لا يكفي، ولن يكفي أبداً. كل شيء يمكن تحسينه، تسريعه، تلميعه. حتى الراحة تحوّلت إلى مهمةٍ على قائمة الإنتاجية.
ثقافة الإنجاز اليوم لا تُكافئ العمق، بل السرعة. لا تُعلي من المعرفة، بل من “النتيجة”. لا تسأل: “ماذا تريد أن تصبح؟” بل: “ماذا أنجزت اليوم؟”، “كم متابعاً حصلت؟”، “كم كتاباً قرأت هذا الشهر؟”. حتى التأمل والهدوء الداخلي، لم يسلما من التسليع: تطبيقات “الوعي اللحظي”، دورات “الطمأنينة”، نصائح “الديتوكس الرقمي”… وكأن السكينة صارت خدمةً تُشترى.
ومن هنا، يتسلل القلق الجماعي الحديث. ليس قلقاً وجودياً بالمعنى الكلاسيكي، بل قلقاً من “التأخر عن الركب”، من “عدم كفاية الذات”، من أنك – مهما فعلت – تظل أقل مما يجب. لأن “ما يجب” لا يُحدده ضميرك، بل حسبة السوق. في هذا العالم، ليست السعادة غايةً، بل وهماً يُعاد تدويره كل موسم، بشكلٍ جديد، بلونٍ جديد، بسعرٍ أعلى.
على سبيل المثال ؛قارن بين طفلٍ يرسم على جدار منزله لأنه يحب الرسم، وبين شابٍ ينشر لوحته على إنستغرام ويراقب عدد الإعجابات. الأول مدفوع برغبةٍ داخلية، الثاني محكوم برد فعلٍ خارجي. بين الاثنين مسافةً شاسعة: الأولى حرية، الثانية عبودية مصقولة.
هنا تنفجر الأسئلة المؤجلة: من يصوغ رغباتنا؟ من يقرر ما نريد؟ أحقاً نريد ما نريده، أم أننا فقط نُعاد تشكيلنا لنرغب، فنستهلك، فننتج، فننهار؟
ربما المخرج لا يكون في كسر الرغبة، بل في وعيها. أن نتوقف، وسط هذا الركض المسعور، لنسأل: “هل هذه رغبتي، أم أنني تعلّمت أن أريدها؟” أن نصمت، ليس هروباً من الضجيج، بل اعتراضاً عليه. أن نعيد تعريف النجاح، لا بما يُعرض، بل بما يُشعرنا بالسكينة. أن نستعيد فكرة الذات لا كمشروعٍ ترويجي، بل ككائناً حراً، يخطئ، يتباطأ، لكنه يملك اختياره.
لأن الحقيقة المرعبة التي لا نحب مواجهتها هي التالية:
نحن لا نستهلك الأشياء… نحن نُستهلك بها.
الرغبة التي لا نختارها، لا تُشبع، بل تُطفئنا.
وفي هذا السباق الذي لا نعرف من بدأه، قد لا يكون الانتصار في الوصول، بل في التوقف.
مشاركة المقال :