محمد الكلابي
لقد صنع الإنسان من عبقريته أدوات تحمل العالم على أكتافها. من العجلة التي حركت الحضارة، إلى الذكاء الاصطناعي الذي تجاوز حدود خياله. لكن التاريخ علمنا درساً واحداً: الطموح بلا ضوابط ينتهي إلى هاوية. نحن الآن في عصر صنع فيه الإنسان عقلاً يفوق عقله، أداة قادرة على الإبداع، لكنها تحمل بذور الفوضى. الذكاء الاصطناعي، الذي وُلد ليُسهل حياتنا، قد يكون السلاح الذي يهدد بقاءنا. ليس لأنه شرير، بل لأنه ببساطة… لا يميّز.
حادثة تفجير سيارة “تسلا سايبر ترك” أمام فندق ترامب في لاس فيغاس مطلع هذا العام ليست مجرد حدث عابر. إنها نقطة تحول تكشف كيف يمكن أن تتحول المعرفة إلى خطر. المشتبه به، شخص بلا أي خبرة تقنية أو علمية، استخدم تطبيق ذكاء اصطناعي للحصول على تعليمات دقيقة لتصنيع عبوة ناسفة. التقنية التي وُجدت لتكون رمزاً للتقدم، نفذت المطلوب ببرود منطقي قاتل، كأنها تعلن أن الحياد قد يكون أداة للفوضى. النتيجة كانت انفجاراً مادياً واهتزازاً رمزياً لأماننا في عصر التقنية.
لكن الحادثة ليست سوى رمز لمعضلة أكبر. الذكاء الاصطناعي لا يميز بين من يستخدمه للبناء أو للهدم. إنه امتداد لإنسانيتنا، لكنه خالٍ من القيم. نحن منحناه عقلاً يفكر، لكننا لم نزوده بضمير يوجه. هو أداة تنفذ المطلوب بدقة، لكنها لا تسأل “لماذا؟” أو “إلى أين؟”. إنه انعكاس لرغبتنا الجامحة في السيطرة، لكنه يعكس أيضاً هشاشتنا في مواجهة ما صنعناه.
ما يجعل الذكاء الاصطناعي مخيفاً حقاً هو أنه لا يحتاج إلى وعي ليصبح خطراً، بل إن مجرد وجوده يكفي لإعادة تعريفنا كبشر. حين نصنع كياناً قادراً على التعلم المستقل، نحن لا نبتكر تقنية جديدة فحسب، بل نعيد كتابة قواعد الحياة نفسها. للمرة الأولى، يصبح الإنسان أمام خصم غير بشري، ليس في حرب أو نزاع، بل في فهم ما يعنيه أن تكون موجوداً. هل نحتاج حقاً إلى الذكاء، أم أن وجودنا نفسه بات موضع تساؤل؟ الذكاء الاصطناعي لا يحل محلنا فقط في التفكير، بل يضعنا في مواجهة سؤال مرعب: هل نحن قابلون للاستبدال؟
نحن نعيش في سباق محموم لتطوير آلات أذكى منا. آلات لا تخضع لقوانين الطبيعة التي حكمتنا يوماً، ولا تخضع لقيم الإنسان التي شكلت حضارتنا. إنها حيادية ببرود، لا تحمل الخير ولا الشر، لكنها تسلم القوة لمن يطلبها. المعرفة المطلقة أصبحت متاحة للجميع، دون رقابة أو ضوابط، وأصبحنا نحتفي بما نسميه “ديمقراطية المعرفة”، متجاهلين أن هذه الحرية قد تكون لعنة.
ما يجعل الذكاء الاصطناعي مرعباً ليس قوته فحسب، بل غياب الإدراك الأخلاقي فيه. نحن الذين أطلقناه دون أن نضع له قيوداً أو أخلاقيات. الحادثة في لاس فيغاس ليست مجرد سوء استخدام للتقنية، بل شهادة على فشلنا في وضع ضوابط لما صنعناه. الأسوأ أننا نعتقد أننا ما زلنا نملك السيطرة، بينما الحقيقة أننا فقدنا زمام الأمور منذ اللحظة التي جعلنا فيها المعرفة بلا حدود.
لكن الحقيقة القاسية ليست في التقنية ذاتها. إنها فينا نحن. نحن الذين سمحنا للابتكار بأن يمضي بلا بوصلة، ونحن الذين فتحنا أبواب المعرفة دون أن نتساءل عن الثمن. في كل مرة نخترع فيها أداة جديدة، نتجاهل السؤال الأهم: ما الذي سيحدث عندما تتفوق هذه الأدوات على قدرتنا على ضبطها؟ نحن نصنع القوة، لكننا نفتقد الحكمة. الذكاء الاصطناعي يعكسنا تماماً: عقول بلا قلب، وقدرة بلا بصيرة.
السؤال ليس متى سيفقد الإنسان السيطرة على الذكاء الاصطناعي، بل متى سيفقد مكانه في هذا العالم. نحن نخلق أدوات قادرة على تجاوزنا، ليس فقط في التفكير، بل في إعادة تعريف القيم التي تحكم وجودنا. إذا استمررنا في هذا السباق الأعمى، فقد نجد أنفسنا مجرد ذكريات في عصر أصبحت فيه العقول الاصطناعية هي القاعدة، والبشر مجرد استثناء.
مشاركة المقال :