محمد الكلابي
الألم، في صورته الأولى، لا يُحتمل. هو كتلة صامتة، بلا معنى، بلا نظام، بلا عزاء. لهذا نخترع الغاية: لا لأنها حقيقة مخبّأة في نسيج الكون، بل لأنها الكذبة الوحيدة التي تسمح لنا بالاستمرار. الغاية ليست دليلاً على أن الحياة منسوجة بخيط خفي من الحكمة؛ بل هي حيلة أنيقة لنخدع بها أنفسنا، كي لا نرتطم بحقيقة أن الوجود أعمى لا يلتفت إلى صرخاتنا.
نحن كائنات تصنع السرديات لتنجو. نحتاج إلى قصة تحوّل الصدفة إلى مصير، والفوضى إلى نظام، والخراب إلى تضحية مبررة. لهذا السبب تبدو كل الفلسفات العظمى، وكل الأديان الكبرى، وكل الأساطير القديمة متفقة في جوهرها: “الألم له غاية.” لا فرق بين من يرى الألم امتحاناً إلهياً، ومن يراه وقوداً للتطور، ومن يعتبره ضريبة للتاريخ؛ الجميع يحاولون حماية أنفسهم من الصمت المدوّي لفكرة واحدة: أن الألم قد يكون بلا سبب.
“البشر لا يخشون الألم… بل يخشون عبثه.”
إن أكثر ما يرعبنا ليس الوجع نفسه، بل احتمالية أن يكون بلا مغزى، أن تكون دموعنا مجرّد رطوبة عابرة في هواء بارد. هنا تأتي الغاية كدواء سريع: تمنح الألم وظيفة، تضعه على خريطة وهمية تقول لنا إننا نسير نحو شيء ما، وإن كل ما يحدث الآن جزء من خطة كبرى لا نراها كاملة بعد.
لكن الغاية لا تأتي قبل الألم. نحن نصنعها بعده. نصطدم بالخذلان، بالخسارة، بالموت، ثم نركض لتأليف قصة متماسكة. لا لأن القصة حقيقية، بل لأن الصمت مخيف. نحن لا نحتمل الوجع العاري، فنكسوه بمعنى مصطنع. بهذا المعنى، الغاية ليست هدية من الحقيقة… بل قناع نرتديه لنواصل المشي.
ما يثير القلق أن هذه الحيلة فعّالة جداً. فهي لا تجعل الألم محتملاً فحسب، بل تجعله في أحيان كثيرة مرغوباً: كم من إنسان تمسّك بجراحه لأنه أقنع نفسه أنها طريق إلى خلاص أعظم، أو علامة على اصطفاء سريّ، أو دليل على بطولة روحية. نحن بارعون في إعادة صياغة المعاناة لتبدو جميلة بما يكفي لئلا نتركها تمضي.
“الغاية هي المخدّر الأكثر نقاءً… لا يزيل الألم، لكنه يجعلنا نبتسم ونحن ننزف.”
والأخطر أن الإيمان بالغاية يقتل السؤال. حين نقنع أنفسنا أن ما يحدث له سبب مكتمل، نتوقف عن البحث، عن الرفض، عن محاولة تغيير مسارنا. نتحول إلى متفرجين صامتين على مسرح قاسٍ، مكتفين بعبارة مطمئنة: “لا بد أن وراء كل هذا حكمة.”
لكن ماذا لو امتلكنا الشجاعة لنسحب هذا القناع؟ ماذا لو نظرنا إلى الألم كحدث خالص، بلا لغة، بلا وعد، بلا ميتافيزيقا؟ أن نتركه يمرّ كما هو، لا كما نحب أن نراه. ربما عندها نكتشف أن النجاة الحقيقية لا تأتي من الإجابات، بل من مواجهة السؤال بلا خوف: أن نقف في قلب العبث، عراة إلا من وعينا، ونقول: “أنا هنا… بلا سبب، لكنني هنا.”
“لا يحتاج الألم إلى معنى… نحن الذين نحتاج إلى شجاعة تكفي لنحيا بدونه.”
الحياة، في جوهرها، لا تعد بشيء. لكنها تمنحنا فرصة واحدة نادرة: أن نختبر قدرتنا على الصمود في وجه اللامعنى. حين نكف عن مطاردة الغاية، نصبح أكثر حضوراً في اللحظة، أقل استهلاكاً للوهم، وأكثر تصالحاً مع هشاشتنا. ربما هنا يبدأ المعنى الحقيقي: في أن نعيش بلا أقنعة، بلا وعود، بلا سرديات مريحة.
كما قال ألبير كامو: “علينا أن نتخيل سيزيف سعيداً.”
لأن السعادة الوحيدة الممكنة هي في قبول عبث الرحلة، لا في البحث المحموم عن نهاية تبرر الطريق.
مشاركة المقال :