حين اخترعنا فكرة الجحيم


حين اخترعنا فكرة الجحيم

محمد الكلابي 

منذ فجر الوعي البشري، ارتعب الإنسان من فكرة الحرية المطلقة أكثر مما حلم بها. قد نظن أننا نسعى للحرية كأسمى غاية، لكن الحقيقة أن أغلبنا يخافها حتى العظم: ماذا لو لم يكن هناك من يراقبنا؟ ماذا لو كانت أفعالنا بلا تبعات أبديّة؟ ماذا لو كانت الحياة لعبة عشوائية بلا محكمة في النهاية؟ من هذا الرعب اخترع الإنسان الجحيم، لا كعقاب، بل كضمانة للعدالة التي فشل في تحقيقها على الأرض.

الجحيم في جوهره فكرة مريحة: لأنه يقدم قانونًا مطلقًا لا يخطئ ولا يتلاعب به الأقوياء. في حياة مليئة بالظلم والعنف يفلت فيها المجرمون ويعاني الأبرياء، يصبح الجحيم وعدًا يطمئننا إلى أن ميزان العدالة لن يظل مائلًا للأبد. لكنه وعد اخترعناه نحن لأنفسنا، لا لأننا تأكدنا من حقيقته، بل لأننا لم نحتمل فكرة أن تنتهي الحياة دون أن يردّ شيءٌ لنا مظالمها.

حين يخبرنا أحدهم أن الجحيم ينتظر الأشرار، نشعر بارتياح غريب، كأننا سلمنا زمام العدالة لجهة لا نراها لكنها تضمن لنا الإنصاف النهائي. نرتاح لفكرة الجحيم أكثر مما نخافه، لأن بديله أقسى: أن يكون الكون خاليًا من العدل، وأن تصرخ ضحية في الظلام فلا يجيبها شيء، لا في الدنيا ولا بعدها.

تأمل كيف يعمل الجحيم كأداة تهذيب نفسي: منذ الطفولة نتعلم أن “الله سيعاقبك” أسرع من تعلمنا لماذا ما فعلناه خطأ في حد ذاته. هنا يصبح الجحيم لا وسيلة لتربية الضمير، بل أداة لتدجينه: نخاف العقوبة أكثر مما نفهم سببها، وننصاع للقانون خوفًا من النار لا حبًا في الخير. وهكذا ينشأ داخلنا قانون أخلاقي مغشوش: قانون يحرص على الشكل الظاهري للسلوك لكنه لا يهتم ببناء القيم كقناعات حرة.

في هذا السياق، الجحيم هو اختراع بشري خالص: إنه الخيال الذي ابتكرناه لنضع حدودًا داخلية صارمة تحمينا من الانفلات، خاصة حين يغيب الرقيب الخارجي. لأن الحرية المطلقة تُشبه هاوية بلا قاع؛ يمكن أن نسقط فيها دون أن يلتفت إلينا أحد. وجود الجحيم كفكرة يضمن أننا لسنا أحرارًا إلى هذا الحد المخيف.

ما يزيد الجحيم قوة كفكرة لا كحقيقة هو أنه يحقق العدالة المؤجلة التي لا نراها في الواقع. هو رد فعل عاطفي على كل خيبة نعيشها حين نشهد شريرًا يزداد قوة بلا حساب، أو نرى مظلومًا يموت بائسًا بلا عزاء. عندها نواسي أنفسنا بأن الجحيم سيعيد التوازن. لكنه وهم التوازن لا حقيقته؛ التوازن الذي نحتاجه كي نصدق أن هذا العالم لم يُخلق عبثًا.

إن الجحيم أيضًا وسيلة اجتماعية للضبط: المجتمعات التي تعجز عن بناء قوانين عادلة تلجأ إلى خطاب الجحيم لترهيب الأفراد. وهذا الخطاب قد يُشعر الضعفاء بالأمان لكنه في الوقت نفسه يسلبهم فرصة اكتشاف الخير كخيار حر لا كإجبار نفسي.

هل الجحيم ضروري إذًا؟ ربما نعم… لكنه ضروري كاختراع بشري لا كحقيقة ميتافيزيقية. نحن نخاف الفوضى أكثر من الجحيم، نخشى ألا تكون هناك يدٌ خفية تضبط العالم حين ينهار النظام البشري. الجحيم يوفر ضمانًا نفسيًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة لأن البديل هو قبول الحرية الكاملة؛ الحرية التي تعني ألا شيء يمنع أي شيء إلا ضمير الإنسان الهش وحده.

حرية كهذه تتحول عبئًا لا يحتمل: لو كنا حقًا أحرارًا بلا عواقب بعد الموت، كيف يمكننا أن نعيش مع إحساسنا بأن كل الجرائم قد تفلت للأبد؟ كيف نواجه فكرة أن حياتنا قد تنتهي بلا حساب منصف يريحنا؟ إن الخوف من هذا السيناريو يجعل فكرة الجحيم أكثر إغراءً حتى من فكرة الجنة.

وربما لا نخاف الجحيم كما نُظهر، بل نخاف غيابه. نخاف أن نكون وحدنا في كون لا ينتبه لأفعالنا، نخاف أن تكون الحياة مسرحًا بلا جمهور، وأن يكون الخير والشر مجرد كلمات بلا أثر. نخترع الجحيم كي نضمن أن أحدًا سيسجل علينا أفعالنا ويحاسبنا مهما توارت عن أعين البشر.

هكذا يصبح الجحيم أداة مزدوجة: يهددنا، لكنه أيضًا يمنحنا راحة. يُخيفنا، لكنه في العمق يطمئننا إلى وجود نظام أعلى من كل أنظمتنا المختلة. الجحيم ليس فقط لعقاب الأشرار، بل لصون استقرار نفوسنا من الفوضى الوجودية.

ربما لم نخترع الجحيم لنخيف الأشرار… بل لنطمئن إلى أننا لسنا أحرارًا إلى هذا الحد. لأن الحرية المطلقة لا تعني القوة فقط، بل تعني أيضًا الفوضى المفرطة، الغياب الرهيب لأي معنى، وهي أسوأ ما قد يواجهه إنسانٌ خائفٌ من نفسه أكثر من خوفه من نارٍ في مكان ما.



مشاركة المقال :