محمد الكلابي
الموت ليس لحظة توقف نبضة، بل انهيار شبكة كاملة من الإشارات التي كانت تربطنا بالعالم. يبدأ صامتاً: الاسم الذي كان يضيء في المحادثات يبهت فجأة، يثقل على اللسان كأنه صار اعترافاً بالفقد، لا نداء للحياة. إنها لحظة يتراجع فيها حضورنا من اللغة قبل أن يذوب من الجسد.
في جوهر الأمر، نحن لا نعيش إلا بقدر ما تُستدعى أسماؤنا في أصوات الآخرين. كل مرة يُقال فيها اسمنا، ولو عرضاً، تتجدد صلتنا بالوجود. لكن حين يُهمل النداء، نبدأ بالانسحاب البطيء: أولاً من مقاعد الحديث القريبة، ثم من الحكايات البعيدة، حتى نصبح صمتاً يتوارى في هوامش الذاكرة.
الأسماء لا تفنى فوراً، بل تنحسر تدريجياً. كبار السن يعرفون هذا جيداً حين يخطئ الناس في نطق أسمائهم أو حين يقلّ من يذكرهم بمحبة. إنها نبوءة خافتة تخبرهم أن اللغة سبقت الجسد إلى إعلان الرحيل. في المقابل، يقاوم الاسم موته بما يستطيع؛ يُردّد في لحظات الفقد، يُنقش على الحجر، وكأن اللغة تحاول إيقاف الزمن عبر الحروف.
لكن النهاية الحقيقية لا تأتي إلا مع الصمت الأخير: حين يختفي آخر صوت كان يعرف وقع اسمك، وحين تُدفن الذاكرة التي احتفظت بك حيّاً في جملة أو في نظرة. عندها لا تعود حياً في اللغة، ولا يظل منك سوى فراغ يمرّ به الزمن بلا أثر.
ربما لهذا نخاف الموت بعمق لا نعيه: نخشى أن نصبح حكايات بلا أسماء، أن نفقد العلامة التي كانت تمنح حضورنا وزناً في العالم. ليست رهبتنا من العدم، بل من أن يُختزل وجودنا إلى ذكرى مبهمة، صدى بلا حروف.
ومع ذلك، للغة وجه آخر يمنح وهماً بالخلود. أسماء أفلاطون والمتنبي وكافكا ما زالت تعبر القرون، ليس لأنهم عاشوا أطول، بل لأن أثرهم تجذّر في الوعي الجمعي. لكن معظم الأسماء لا تنجو؛ تموت بهدوء، تختفي من الأحاديث اليومية ثم من الحكايات النادرة، حتى تنقرض من سجل الذاكرة.
“يموت الإنسان مرتين: حين يتوقف قلبه، وحين تصمت اللغة عن اسمه.”
الموت، في حقيقته، انهيارٌ للمشروع اللغوي الذي نبنيه طوال حياتنا. نحن نؤسس ذواتنا في كلام الآخرين، ننسج وجودنا في أصواتهم، وحين يخفت هذا النسيج، نتلاشى بلا مقاومة. وربما تكمن الحكمة في قبول هذه الحقيقة: أن الأسماء عابرة، لكن الأثر الذي نتركه، ذلك الذي لا يحتاج إلى اسم، قد يظل حيّاً، يمرّ بين الأرواح كصوت لا يُمحى.
مشاركة المقال :