محمد الكلابي
منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء، كان يحاول أن يرمّم خوفه الأول: خوف الجسد الفاني أمام كونٍ بارد لا يجيب. لم يولد الإيمان بالله من أسئلة فلسفية باردة، بل من ارتجافة داخلية تبحث عن دفء. منذ اللحظة الأولى، كان الإله مشروعاً نفسياً عميقاً قبل أن يكون فكرة لاهوتية؛ محاولة منظمة لمنح الفوضى ملامح نظام، ولتحويل الصمت إلى خطاب يمكن احتماله.
نحن لا نرى الله كما هو، بل كما نحتاجه أن يكون. حين نخاف الموت، نصنع إلهاً يَعِد بالخلود. حين نخشى الظلم، نخلقه قاضياً صارماً لا يفوته جرم ولا يضيع لديه حق. وحين نغرق في الوحدة، نراه أباً حنوناً يراقب خطواتنا من بعيد. نحن لا نصف الله، بل نصف هشاشتنا وهي تبحث عن ملاذ. كل دعاء هو في جوهره اعتراف خفي بالخوف، وكل سجود هو محاولة لطمأنة قلوب ترتجف.
كل ثقافة صنعت وجهها الخاص لله. في الأزمنة القاسية، صار الإله محارباً لا يرحم؛ وفي لحظات الرخاء، صار حنوناً يفيض بالمغفرة. يتغيّر الإله في وعينا مع تغيّر أسئلتنا، لا لأنه يتبدل في ذاته، بل لأننا لا نستطيع أن نتصوره خارج حدود حاجاتنا. الإله، بهذا المعنى، ليس صورة ثابتة، بل مرآة هائلة تعكس اضطراب الإنسان أكثر مما تعكس حقيقة المتعالي.
فويرباخ كان محقاً حين قال إننا نصوغ الله على صورة مثاليّتنا. لكن الجملة أخطر مما تبدو: لأن ما نسميه صفات إلهية ليس إلا تجسيداً لأحلامنا المؤجلة ورغباتنا المقهورة. حين نصفه بالرحمة المطلقة، فإننا نفضح احتياجاً داخلياً لا يهدأ؛ وحين نصفه بالقوة المطلقة، نصرّح برغبتنا في حماية لا نملكها لأنفسنا. الإله، في عمق الوعي البشري، هو اعتراف مقنّع بعجزنا أمام السؤال.
وكلما ازداد خوفنا من الفوضى، شددنا قبضتنا على صورة الإله المنظِّم، العادل، المنتقم. وكلما ازداد شعورنا بالخذلان والوحدة، رققنا صورته وجعلناه حامياً رحيماً يهمس بأن كل شيء سيكون بخير. إن صورة الإله تتحرك مع نبض الخوف، مع إيقاع الحاجة، مع صرخة النفس وهي تحاول الاحتماء من العدم.
لكن ماذا يحدث حين تتصدع هذه الصورة؟ حين ينهار الدعاء ولا تأتي الإجابة، وحين يصبح الصمت هو الرد الوحيد؟ في تلك اللحظة ندرك أن إيماننا لم يهتز لأن الله تغيّر، بل لأن المرآة التي صنعناها له تشققت تحت ثقل أسئلتنا. الإيمان لم يكن بالله نفسه، بل بصورة له توافق ضعفنا. وحين تنهار الصورة، نرتبك؛ لأننا فجأة وجهاً لوجه مع الصمت الذي كنا نهرب منه.
أسهل ما نفعله عندها هو الهروب إلى يقين جديد، إعادة تشكيل الإله بما يناسب خوفنا الجديد. لكن الأصعب والأكثر صدقاً هو أن نتأمل السؤال بلا استعجال للجواب: ماذا لو لم يكن الله نسخة محسّنة منّا؟ ماذا لو كان وجوده أوسع من احتياجاتنا الضيقة؟ هل يمكن لإيماننا أن يبقى إذا لم يُشبه الله صورتنا عنه؟
كل مرة نقول فيها “الله رحيم” أو “الله شديد العقاب”، نحن نكشف أكثر مما نصف. في كل صفة نخلعها على الله ظلّ لذاتٍ تبحث عن سند: ذات تخاف، تحب، ترتبك، وتحلم بأن يكون للكون قلب نابض يسمع أنينها. نحن نصنع صورة ونسميها إيماناً، ثم نركع أمام ما صنعناه بأيدينا المرتجفة.
لكن ربما يكون الإيمان الأعمق هو ذاك الذي يتجرد من كل صورنا، إيمان يقف في مواجهة المجهول بلا حاجة لأن يكون الله كما نريد. إيمان يسلّم بأن المطلق لا يُختزل في مفرداتنا، ولا ينحصر في مخاوفنا، ولا يجيب عن أسئلتنا بطريقة ترضينا. إيمان شجاع لا يطلب الطمأنينة، بل يقبل القلق كجزء من الحقيقة.
نيتشه كان يهمس بحقيقة صادمة حين قال: “الله لا يحتاج لأن تثبت له وجوده، أنت من يحتاج لإله يثبت بك نفسه.” وما لم نواجه هذه الحقيقة، سنظل نعيد صناعة الإله على مقاس ذواتنا الخائفة. الشجاعة الحقيقية ليست في إنكار الله ولا في التسليم الأعمى له، بل في القدرة على مواجهة الفراغ بلا أقنعة، والاعتراف بأننا نصنع صورته لأننا نخشى أن نرى وجوهنا وحدها في المرآة.
حين نتخلى عن محاولة تطويع الله لأمننا النفسي، ربما نقترب أكثر من جوهر الإيمان: إيمان لا يطلب شيئاً ولا يتوقع شيئاً، لكنه يعرف أن الله — إن كان — لا يحتاج إلى تشابه كي يكون حقيقياً، ولا إلى خوفنا كي يبقى.
مشاركة المقال :