محمد الكلابي
في كل يوم، نقف أمام بعضنا لنتبادل الكلمات ونظن أننا نتواصل. نعتقد أن الكلمات جسور ممتدة بين وعيينا، وأنها قادرة على حمل الحقيقة كما هي، من ذات إلى أخرى. لكن ماذا لو كانت الكلمات ليست جسورًا، بل متاريس نخبئ وراءها خوفنا من عري الواقع؟ ماذا لو كانت اللغة أكبر خدعة اتفقنا جميعًا على تصديقها، كي لا ننهار أمام ما لا يمكن وصفه؟
اللغة لا تمثل الحقيقة، بل تُعيد ترميزها في بناء رمزي هش، لأن الحقيقة بصورتها المباشرة لا تُحتمل. لا نستخدم الكلمات لنكشف ما فينا أو ما في العالم، بل لنقيده داخل سجن الدلالة. كل كلمة ننطقها هي اختيار صامت: نختار ما نُظهره وما نُسكت عنه، فنقول “أنا بخير” كي نهرب من الاعتراف بالألم، ونقول “أحبك” كي نُخفي هشاشة شعور لا يفهمه حتى صاحبه.
البلاغة نفسها، التي نمدحها في النصوص والخطب، ليست سوى تقنية راقية للتجميل: كل استعارة نبتكرها، كل وصف نُتقنه، هو محاولة لتزيين الصدمة الأصلية للحقيقة أو تخفيف حدتها. الكلمات تجمّل الحقيقة كي تبدو صالحة للاستهلاك النفسي. كما كتب رولان بارت: “اللغة نظام سجن، لأن كل كلمة تحمل جدرانها معها.”
والأدهى من ذلك أن الكلمات الكبرى التي نرددها – مثل “الحقيقة”، “الحب”، “الله” – هي أكثر الأقنعة سُمكًا: نحن لا ننطقها لنعبر بصدق، بل لأنها كلمات مطاطية تسمح لنا بالهروب من دقة التفسير. كم مرة قلنا “أنا أحبك” ونحن نقصد بها ألف شيء لا علاقة له بالحب؟ كم مرة قلنا “أؤمن” ونحن نرتعش من الشك؟
كلما حاولنا الإمساك بالحقيقة عبر الكلمات، تسرّبت كالماء من بين حروفنا. لأن الحقيقة لحظة صافية لا تحتمل التأجيل ولا الترجمة. والكلمات لا تنقل هذه اللحظة، بل تحل محلها. وهكذا تتحول اللغة من أداة للكشف إلى قناع نضعه فوق الحقيقة حتى لا يقتلنا وهجها.
الأكثر إرباكًا أن اللغة لا تكشف عجزها إلا في لحظات الانهيار التام: في الصدمة، في الموت، في الصمت القسري حين يعجز اللسان عن التقاط المعنى. عندها فقط ندرك أن الكلمات لم تكن يومًا مرآة، بل كانت زينةً نُجمّل بها عجزنا. إن لحظة الصمت أمام جنازة، أو أمام كلمة أخيرة لم تُقال، أكثر صدقًا من ألف قصيدة.
اللغة تُظهر ما نحتمل فقط، لا ما هو موجود. كلما ظننا أننا كشفنا شيئًا بالكلمات، كنا في الحقيقة نُعيد ترويضه. لأن اللغة آلة طيّعة بيد الخوف: تزيّن، تُغري، تُسكت، لكنها نادرًا ما تقول الحقيقة كما هي. ربما لهذا حين نعجز عن الصمت، نلجأ للكلمات – لا لنقول الحقيقة، بل لنعبر بجانبها كما لو أننا لم نرها.
لأن اللغة لا تقول ما نعنيه حقًا، بل تقول ما نقدر على احتماله.
“الكلمات مثل النظارات، تجعل الأشياء أوضح لكنها تضع بينها وبين العين زجاجًا لا يُرى.” — لودفيغ فيتغنشتاين.
مشاركة المقال :