الزمن : وهم يمشي على قدمين


الزمن : وهم يمشي على قدمين

محمد الكلابي

نحب أن نرى حياتنا كخطّ مستقيم، يبدأ من ماضٍ نفهمه وينتهي إلى مستقبل ننتظره. لكن الحقيقة أن الخط لم يكن موجوداً قط؛ كل ما هناك هو لحظة مكتظة، تمتدّ وتتقلّص مثل نبض خفيّ، نعيد ترتيبها في وعينا كي لا يغرقنا طوفانها. نحن لا نعيش على خريطة زمنية، بل داخل نقطة لا تنتهي، نقطة تختبئ خلف وهم الحركة إلى الأمام.

جرّب أن تتذكر لحظة اهتزّ فيها كل شيء: خبر موت، اعتراف حب، خيانة مباغتة. في تلك اللحظة، يختفي الماضي والمستقبل معاً؛ يتبخر كل تسلسل منطقي، ويبقى الحاضر وحده، كثيفاً، خانقاً، حادّ الملامح. بعد أن تهدأ الصدمة، يبدأ العقل بترتيب الفوضى في سرد متماسك، لأننا نخاف مواجهة الحقيقة العارية: أن اللحظة وحدها هي كل شيء.

حتى الذاكرة لا تعيدنا إلى الماضي كما نظن. ما نستحضره ليس شريطاً محفوظاً، بل بناء جديد يولد في الآن، بلغة الآن، وبوعي يتغير كل يوم. كل ذكرى هي إعادة اختراع للحظة غابت، لكنها تعود ملوّنة بما نحن عليه هذه اللحظة. نحن لا نزور الماضي، بل نصنعه من جديد ليخدم حاضرنا.

أما المستقبل، فخدعة أكثر أناقة. نخلقه لنخفف من وطأة اللحظة، لنقنع أنفسنا أن القادم مختلف وأن أمامنا وقتاً لتصحيح المسار. كل حلم وخطة وتوقّع هو محاولة للهروب من امتلاء الحاضر، من ثقل اللحظة التي تبدو أحياناً بلا نهاية. لكن الحقيقة البسيطة أن الغد لا وجود له إلا كخيال يطفو على سطح وعينا.

الزمن الفيزيائي شيء آخر؛ يقيس دوران الكواكب وحركة عقارب الساعة. لكنه لا يفسر لماذا تبدو دقيقة الانتظار أطول من عام كامل، ولماذا ينهار الوقت في ثانية صادمة أو يتمدّد بلا رحمة في لحظة وجع. الزمن النفسي لا يُقاس، بل يُحسّ، ولهذا يبدو أقرب إلى مرآة لأعماقنا منه إلى قانون كوني.

هل يوجد ماضٍ مستقل عن وعينا؟ أم أنه مجرد ألبوم صور نعيد ترتيب لقطاته بما يرضي حاجتنا للفهم؟ وهل المستقبل واقع ينتظرنا حقاً، أم انعكاس لرغبتنا في أن نصدق أننا نسير إلى الأمام؟ الحقيقة أننا عالقون في لحظة واحدة تعيد إنتاج نفسها بلا توقف؛ لحظة تتخفى تحت أقنعة التغيّر كي لا نصاب بالاختناق.

نحب أن نصدق أننا نتقدم، أن الحياة تتطور، أن ما مضى يبتعد وما سيأتي يقترب. لكن تأمل جيداً: كم من الخوف يتكرر؟ كم من الألم يعود في هيئة مختلفة؟ نحن لا نغادر اللحظة أبداً، بل نعيد تدويرها بصور جديدة كي نخدع أنفسنا بالحركة. الزمن ليس خطاً، بل دائرة، أو ربما غرفة واحدة نغيّر أثاثها كل يوم كي تبدو أوسع مما هي عليه.

في المواقف القصوى يتجلى هذا الوهم بأوضح صوره. حين ينهار العالم فجأة، لا يعود هناك غد أو أمس؛ فقط الآن بكل ثقله، بكل حدته. ندرك حينها أن الزمن ليس سوى اتفاق مؤقت بين وعينا وخوفنا؛ وأن اللحظة وحدها هي الحقيقية، وأنها، مهما حاولنا إخفاءها، تفرض سيادتها المطلقة علينا.

اخترعنا فكرة التدرج الزمني كي ننجو. كي نعتقد أن الألم سيبتعد بمرور الوقت، وأن الفرح ينتظرنا في محطة قادمة. لكن الزمن الذي نؤمن به ليس سوى قصة لطيفة نرويها لأنفسنا، لأن مواجهة اللحظة كما هي، عارية وكاملة، أشد قسوة من أن نحتملها.

نحن لا نعيش على خط مستقيم، بل في دائرة بلا بداية أو نهاية، نعيد تدويرها بأسماء جديدة، ونزينها بوهم الحركة. ومع ذلك، فإن أجمل ما في الوهم أنه يسمح لنا بالاستمرار. ربما لا يحتاج الإنسان إلى حقيقة الزمن بقدر حاجته إلى كذبة متقنة تجعله يواصل السير.

في النهاية، كل شيء يحدث الآن. نحن لا نغادر هذه اللحظة أبداً، بل نحاول فقط أن نمنحها وجوهاً متعددة، كي نتحمل ثقلها ونحن نظن أننا نمضي إلى الأمام.



مشاركة المقال :