تزداد السلطة في عصرنا غموضاً كلما ازداد حضورها في حياتنا، لأنها غادرت صورتها القديمة التي كان الناس يعرفونها في الأمير والملك والجيش والقصر، وانتقلت إلى مساحة لا تُرى بسهولة، حيث تُجمع البيانات، وتُرتب السلوكيات، وتُقرأ الرغبات قبل أن يعبّر أصحابها عنها. ومن يملك هذه القدرة يقترب من امتلاك الإنسان نفسه، لأنه يعرف ما يخيفه، وما يجذبه، وما يدفعه إلى الغضب أو الشراء أو التصديق.
تذكرني هذه الصورة بكتاب ميكافيلي «الأمير»، فقد نصح الحاكم بأن يحمي سلطته بكل وسيلة تضمن بقاءها، وأن يستخدم المراوغة والتهديد والخيانة حين تقتضي المصلحة ذلك. كانت السلطة في زمنه تعتمد على القوة التي تُرى وتُسمع، وكان الحاكم يفرض إرادته عبر الجنود والسلاح والعقاب، ثم جاءت التكنولوجيا ومنحت الفكرة القديمة جسداً جديداً أكثر قدرة على التسلل، فصار الحاكم الرقمي يدخل إلى الحياة اليومية من خلال شاشة صغيرة يحملها الإنسان بيده ويعود إليها عشرات المرات في اليوم.
السيف الذي كان يفرض الطاعة حلّت محله الخوارزمية التي تصوغ الاختيار، والقلعة التي كانت تحمي الأمير صارت مركزاً للبيانات، والحارس الذي يراقب الناس صار برنامجاً يسجل النقرات ومدة التوقف وما يُقرأ وما يُتجاوز. بهذه الأدوات انتقلت الميكافيلية من مهارة يمارسها شخص واحد إلى نظام يعمل باستمرار، ويتعلم من كل حركة، ويزداد فهماً لصاحبه كلما استخدمه.
تملك شركات مثل فيسبوك وغوغل مساحة واسعة من هذه القوة، لأنها تحدد ما يصل إلى المستخدم وما يغيب عنه، وتعيد ترتيب الأخبار والصور والمقاطع وفق حسابات لا يعرفها. ويقف المؤثرون الرقميون داخل المجال نفسه، وقد أصبح بعضهم قادراً على توجيه أذواق الملايين ومواقفهم، فتنتقل السلطة عبر عدد المتابعين ومقدار الانتشار والقدرة على الإمساك بالانتباه.
يبدأ الأمر باقتراح بسيط يظهر على الشاشة، ثم يتكرر المحتوى القريب منه، وتضيق الدائرة شيئاً فشيئاً حتى يجد الإنسان نفسه داخل عالم صُمم له بحسب سلوكه السابق. يقرأ الأخبار التي تنسجم مع ميوله، ويشاهد الآراء التي تؤكد ما يعرفه، ويتفاعل مع القضايا التي اختارتها له المنصة، ثم يظن أن كل ذلك خرج من قراره الشخصي.
هذه هي الحيلة الأذكى في الميكافيلية الرقمية، لأنها تمنح الإنسان شعور الاختيار وهي تعمل على ترتيب اختياراته من الخلف. تظهر أمامه أبواب كثيرة، مع أن النظام سبق أن قرر الأبواب التي سيعرضها، وحدد ترتيبها، وعرف أيها سيكون أكثر إغراءً له. وعندما يضغط زر الإعجاب أو يشارك منشوراً، يضيف معلومة جديدة إلى الملف الذي يُستخدم في توجيهه لاحقاً.
يصبح الفرد داخل هذه العملية مادةً قابلةً للتشكيل. ميوله تُقاس، وعاداته تُحلل، واستجاباته تدخل في نماذج تتوقع قراره المقبل. وقد يظن أنه يستخدم المنصة لقضاء وقت عابر، بينما تكون المنصة منشغلة ببناء صورة دقيقة عنه، صورة تعرف متى يشعر بالملل، ومتى يضعف أمام إعلان، ومتى يكون مستعداً لتصديق خبر يوافق خوفه أو غضبه.
ولا أبالغ إذا قلت إن السلطة التي تعرف الإنسان بهذه الدقة تستطيع أن توجهه من غير أن يشعر بأنه خضع لها، لأن الطاعة القديمة كانت تثير المقاومة حين تأتي في صورة أمر صريح، أما التوجيه الرقمي فيدخل على هيئة اقتراح مريح أو محتوى جذاب أو إشعار يصل في اللحظة المناسبة. يختار المرء ما وُضع أمامه، ثم يحمل نتيجة الاختيار بوصفها دليلاً على حريته.
تتجاوز المسألة ما نشتريه، لأن النظام الرقمي يشارك في تشكيل الطريقة التي نفكر بها، والموضوعات التي نمنحها اهتمامنا، والأشخاص الذين نراهم جديرين بالثقة. الخوارزمية ترفع قضيةً إلى واجهة الوعي، وتترك قضيةً أخرى في الظل، وتكرر وجهاً حتى يصبح مألوفاً، وتحجب وجهاً حتى يختفي من الذاكرة العامة.
بهذا أصبحت المعلومات مصدراً للقوة أشد أثراً من كثير من أدوات الحكم التقليدية، فالدولة القديمة كانت تحتاج إلى مراقبة الناس في الشوارع، بينما تستطيع المنصة الحديثة أن تجعلهم يقدمون تفاصيل حياتهم طوعاً. يكتبون أماكنهم، وينشرون صورهم، ويعلنون ميولهم، ويكشفون علاقاتهم، ثم تتحول هذه التفاصيل إلى مادة تتيح فهمهم والتأثير فيهم.
الميكافيلية الرقمية تعيد تشكيل الواقع من خلال هذه المادة، لأن من يملك البيانات يستطيع أن يصنع لكل جماعة خطاباً يناسبها، ويقدم الرسالة نفسها بصور متعددة حتى تصل إلى النفوس من أقرب أبوابها. وقد يرى شخصان الإعلان السياسي نفسه في شكلين مختلفين، لأن النظام يعرف ما يخيف كل واحد منهما، ويختار الكلمات التي تضمن استجابته.
يعيش الإنسان عندئذ داخل وهم واسع من الاختيارات. يتنقل بين التطبيقات، ويختار من القوائم، ويبدل الحسابات، فيما تبقى البنية التي تدير المشهد واحدة تقريباً، تجمع السلوك وتحوله إلى توقعات ثم تعيد استخدامه في توجيه السلوك الجديد. وكل دورة من هذا النوع تجعل النظام أكثر معرفة، وتجعل المستخدم أكثر قابليةً للتوقع.
السؤال عن الحرية يخرج من هذه الحلقة وحده، لأن الإنسان الذي تُصنع أمامه الرغبات والخيارات والموضوعات قد يحتاج إلى مراجعة مقدار ما بقي من قراره الشخصي. ما يراه كل يوم يؤثر في ما يفكر فيه، وما يفكر فيه يؤثر في ما يختاره، ثم تعود اختياراته لتغذي النظام الذي سيقرر ما يراه لاحقاً.
قد يبدو العالم الرقمي أوسع من العالم القديم، لكثرة ما يفتحه من أبواب، غير أن الاتساع نفسه يستطيع أن يخفي نوعاً جديداً من السجن. السجين التقليدي يعرف جدرانه، أما المستخدم فقد يعيش داخل حدود رتبتها الخوارزمية ويحسبها أفقاً مفتوحاً، لأنه يتحرك كثيراً ولا ينتبه إلى أن حركته تجري في المساحة التي اختيرت له.
استعادة السلطة تبدأ من فهم هذه البنية، لأن الإنسان يعجز عن مقاومة ما يظل غامضاً في نظره. معرفة طريقة جمع البيانات، والانتباه إلى أثر التكرار، ومراجعة مصادر الأخبار، وكسر العادات التي تجعل المنصة باباً وحيداً إلى العالم، كلها تعيد إلى المستخدم شيئاً من المسافة التي فقدها.
هذه المسافة تمنحه فرصةً لرؤية الاختيار قبل أن ينقاد إليه، وللتساؤل عن سبب ظهور موضوع معين أمامه، وعن الجهة التي تستفيد من غضبه أو إعجابه أو خوفه. وعندما يتعلم أن الخوارزمية تحمل مصلحةً وتوجهاً، يتوقف عن التعامل معها كأنها مرآة محايدة تعكس العالم كما هو.
تبقى التكنولوجيا نفسها قابلةً للاستخدام في اتجاه آخر، لأن الأداة التي تجمع الناس تحت سلطة خفية تستطيع أن تمنحهم أيضاً وسائل للمعرفة والتنظيم وكشف التلاعب. وقدرة المجتمع على تحويلها إلى خدمة عامة ترتبط بالشفافية والمحاسبة وحق المستخدم في معرفة ما يُجمع عنه وكيف يُستخدم، ثم امتلاك خيار حقيقي في قبوله أو رفضه.
المشكلة أن الشركات التي تمسك بهذه الأنظمة تملك من النفوذ ما يجعلها قادرةً على كتابة القواعد التي تُحاسب بها، ولذلك يحتاج العصر الرقمي إلى تعريف جديد للسلطة يضع البيانات في قلب المساءلة السياسية والأخلاقية. فالجهة التي تعرف حياة ملايين الناس وتتحكم في تدفق المعلومات بينهم تمارس حكماً فعلياً، حتى لو لم تحمل اسماً رسمياً أو تجلس داخل قصر.
كان الأمير القديم يرفع سيفه كي يراه الناس ويعرفوا مصدر الخوف، أما الديكتاتور الرقمي فيعمل داخل الشفرة التي لا يراها أحد، ويصنع أثره في صمت، ويترك الإنسان يظن أن ما حدث كان نتيجة اختياره. وقد تكون هذه الصورة أشد خطراً، لأن مقاومة العنف تبدأ حين يظهر، بينما تحتاج مقاومة الخوارزمية إلى وعي يكشفها قبل أن تتحول إلى جزء من طريقة التفكير نفسها.
تعلمنا التجربة البشرية أن السلطة تنتقل وتتغير حين يفهم الناس كيف تعمل، والسلطة الرقمية تخضع للقاعدة ذاتها. الخوارزمية التي تدخل إلى عقولنا صُنعت بأيدي بشرية، وتستطيع المجتمعات أن تفرض عليها حدوداً وتعيد توجيهها. يبدأ ذلك يوم نتوقف عن معاملتها كقدر تقني، وننظر إليها بوصفها قراراً سياسياً يحدد من يرى ماذا، ومن يعرف ماذا، ومن يملك القدرة على قيادة الآخرين من غير أن يظهر أمامهم.
مشاركة المقال :