محمد الكلابي
يبدو أن كل الطرق التي نسلكها بحثاً عن المعنى تقودنا إلى الباب نفسه: باب مغلق، خلفه صمت كثيف لا يجيب ولا ينكر. وربما لم يكن الخراب الذي نظنه نهاية إلا بداية مختلفة؛ بداية لا تحتاج إلى جملة واحدة لتبرير كل هذا الركام الذي نسمّيه حياة.
لطالما توهّمت أن الفلسفة هي الشجاعة القصوى، أن مواجهة الأسئلة أعظم من الركون إلى طمأنينة العادة. لكني أكتشف الآن أن السؤال نفسه كان خوفاً متنكّراً: خوفي من الصمت، من الفراغ، من احتمال أن تكون الأشياء كما هي، بلا حكاية، بلا سردية تمسك بأطراف الفوضى. نحن نخلق الأسئلة كما نخلق الآلهة، لا لأننا نبحث عن الحقيقة، بل لأننا نرتعب من مسرح بلا جمهور، من كونٍ لا يرد على نداءاتنا.
كل فكرة طاردتها كانت محاولة للترويض: الذات التي أردت فهمها لأشعر بالثبات، الزمن الذي أردت قياسه لأمسك بالمستقبل، الحب الذي أردت تفسيره لأحميه من تقلباته، الله الذي صغته على مقاس مخاوفي لأطمئن أن هناك من يدير المسرح، والحقيقة التي صدّقتها لأهرب من خيبة أن الكون قد يكون بلا نية. حتى الحرية، تلك التي تغنينا بها، لم تكن سوى قيد أنيق، يربطني بفكرة أنني أختار، بينما كل شيء كان يمضي كما يشاء.
لكن ماذا لو لم يكن في هذا الركام سوى سر واحد: أن الأشياء تحدث لأنّها تحدث، وأن المعنى ليس جوهراً في الوجود، بل ظلّ اخترعناه لنحتمل زئبقية اللحظة؟ ما جدوى كل التبريرات إذا كانت الحياة لا تحتاج إلينا لنشرحها، كما لا تحتاج الوردة إلى سبب لتزهر أو لتذبل؟
هنا، في حافة السؤال، أرى أن الفهم ليس خلاصاً، بل قيداً جديداً. المعرفة التي ظنناها قوة تحوّلت إلى ثقل يشدنا نحو هاوية لا قاع لها. نحن نظن أننا نبحث عن الحقيقة، لكننا في الواقع نهرب من بساطة ما هو أمامنا: أن نعيش بلا محكمة داخلية، بلا تبرير، بلا حاجة لأن نفهم كل شيء قبل أن نسمح لأنفسنا أن نحب، أن نغفر، أن نخسر، أن نصمت.
التاريخ نفسه يشهد أننا نصنع الأساطير كلما ضاق بنا الصمت. الإغريق، حين عجزوا عن تفسير البرق، خلقوا زيوس؛ والمصريون، حين أرعبهم الموت، ابتكروا محاكم الآخرة؛ وحتى ديكارت، وهو يبني يقينه بالعقل، كان يحتمي من فراغ لا يحتمل. كل حضارة اخترعت لغتها الخاصة لتغطي عري السؤال. لكن السؤال لا يختفي. يعود دائماً، أكثر حدة، أكثر برودة، يهمس: ماذا لو لم يكن هناك شيء بحاجة إلى تفسير؟
الخراب ليس انهياراً خارجياً، بل زلزالاً داخلياً يسقط فيه كل شيء كنت تظنه ثابتاً: الذات، الزمن، الله، اللغة، الحقيقة. لكن الخراب في عمقه ليس موتاً؛ إنه شفاء. شفاء من الحاجة المَرَضية إلى أن نفهم قبل أن نعيش. شفاء من الوهم بأن الوجود ينتظر تأويلاتنا ليكتمل.
تعلّمت متأخراً أن الشجاعة ليست في جمع الإجابات، بل في احتمال غيابها. في أن تقف أمام الصمت دون أن ترتجف، أن تعترف بأنك لا تعرف ولا تحتاج أن تعرف. أن ترى أن الحياة، مثل المطر، لا تحتاج إلى فلسفة لتسقط، وأن المعنى الحقيقي يبدأ حين تتوقف عن ملاحقته.
هنا، أتنفّس بعمق. لا أحمل شيئاً لأدافع عنه، ولا فكرة لأثبتها، ولا صراعاً لأربحه. أسمح للوجود أن يكون كما هو: فوضوياً، عابراً، غير مفسَّر. أدرك أن المحاولة الدائمة للسيطرة على الغموض هي التي كانت تبعدني عن الحياة نفسها.
ربما الحرية الحقيقية ليست في أن نعرف، بل في أن نصمت. الصمت ليس استسلاماً، بل مساحة يُولد فيها الحاضر من دون ضجيج التأويلات. في هذا الصمت، لا عدوّ ولا خلاص، لا معنى ولا عبث، فقط حضور خالص يتدفق دون شرط.
وعند هذه الحافة، ينقلب الخراب إلى كشف: لم أكن بحاجة إلى المعنى لأعيش، كنت بحاجة إلى أن أرى أن الحياة ليست سؤالاً في انتظار إجابة، بل نهر يمضي سواء فهمت مجراه أم لا.
وحين يتوقف السؤال… تبدأ الحياة.
مشاركة المقال :