محمد الكلابي
حين نتحدث عن الذاكرة، نتخيلها حافظة مخلصة: أداة تلتقط اللحظة كما حدثت، تحتفظ بها نقية كالأصل، لتعيدها إلينا كلما احتجنا إلى برهان على من كنّا. لكن الحقيقة الأكثر رعبًا هي أن الذاكرة لم تكن يومًا صندوقًا أمينًا؛ بل هي أقرب ما تكون إلى كاتب سيرة مراوغ، يحرر قصتنا بمكر خفي، ويعيد صياغة الماضي وفق احتياجاتنا النفسية لا وفق ما جرى فعلاً.
ما نظنه استرجاعًا صادقًا، قد لا يكون سوى حيلة داخلية للبقاء: فالذاكرة تحبنا أكثر مما تحب الحقيقة. ولهذا لا تحتفظ بما حدث بدقته المؤلمة، بل بما يساعدنا على النجاة من الانهيار. إننا نعيش على قصص عن أنفسنا نكررها كلما توعك يقيننا: قصص قديمة نرتبها كما نشتهي، لا كما فرضها الواقع.
الذاكرة ليست أرشيفًا للأحداث، بل ورشة دائمة لإنتاج المعنى. كلما تذكّرنا، أعدنا تحرير الماضي: نحذف، نضيف، نعدّل، نختلق، كل ذلك بحسن نية خبيثة. نحن لا نفعل هذا لأننا نكذب عن عمد، بل لأن الحقيقة كما جرت غير صالحة للحياة أحيانًا. فمن قد يحتمل أن يرى طفولته بحجم بؤسها الحقيقي؟ أو يدرك أن لحظات الحب العارم لم تكن متبادلة كما ظن؟ أو أن المواقف التي أبكته لم تكن سوى سوء فهم ضخم؟
الذاكرة أشبه بمحرّر سيناريو بارع: هي لا تهدف لنقل وقائعك بدقة، بل لجعلها قابلة للعرض الداخلي دون أن تهدمك. فهي تصنع تماسكًا زائفًا في حكايتك الشخصية، كي لا تبدو حياتك سلسلة من المصادفات العبثية. إننا نحتاج لهذه السردية لنصدق أننا نعرف أنفسنا. لأن مواجهة فوضى الحقيقة تعني الاعتراف بأننا عشنا صدفة أكثر مما عشنا إرادة.
والأدهى أن هذا المحرر لا ينشط فقط في لحظات الراحة، بل يعمل بأقصى طاقته حين نكون في قمة الألم: في المواقف التي مزقتنا، تجد ذاكرتنا تعيد تجميع الشظايا بطريقة تجعلنا نبدو أشجع أو أبرياء أكثر أو ضحايا أنقياء. أما المواقف التي تكشف بشاعتنا، فتغلفها الذاكرة بضباب خفيف كي لا نراها بوضوح يفضحنا أمام أنفسنا.
كل هذا يجعل الماضي في الحقيقة بناءًا هشًا أكثر من كونه وقائع صلبة. نحن لا نحمل في رؤوسنا ما حدث كما حدث، بل ما نحتاج أن نعتقد أنه حدث. وكلما زادت جراحنا، زادت براعتنا في تأليف ذكريات تليق بما نريد أن نكونه اليوم. إن الماضي ليس أرضًا صلبة نعود إليها لنقف، بل مادة طيّعة نعجنها كل يوم لنصنع منها سندًا نتكئ عليه.
ومع ذلك، نخاف النسيان أكثر من خوفنا من هذه الأكاذيب الحميمة. نظن أن فقدان الذاكرة هو فقدان للذات، بينما قد يكون أحيانًا تحررًا من سجون سردية لم نعشها كما روايناها. النسيان هنا ليس كارثة، بل خلاص من طغيان كاتب سيرة داخلنا، يعيد عرض القصة كما يحب لا كما حدثت.
إن أخطر ما في الذاكرة أنها ليست أرشيفًا للحقيقة، بل قناع يتيح لنا التماسك. وحين نصدّقها بإيمان أعمى، نصبح أسرى قصص لم تكن دقيقة يومًا، لكنها بدت مريحة بما يكفي لنعلّق حياتنا عليها.
ربما لا نكذب حين نتذكّر، لكننا نكفّ عن النجاة حين نصدّق الذاكرة كما لو أنها حقيقة. وربما لا يوجد ما هو أخطر من إنسان عاش عمره سجينًا في حكاية لم تحدث قط… لكنه أقسم ألا يرى سواها.
مشاركة المقال :