محمد الكلابي
نظن أننا حين نحب نختبر جوهراً صافياً للحياة، لكن ما يحدث في العمق أعمق من العاطفة وأعقد من الرغبة. الحب ليس مجرّد انفعال إنساني نقي، بل آلية دفاع متقنة، طقس جماعي وفردي معاً، نمارسه لنحجب عن وعينا الحقيقة العارية: أن الوجود بلا ضمانات، بلا خارطة، بلا سبب نهائي يفسّر وجودنا هنا.
الحب هو الحيلة الأجمل التي اخترعها العقل كي يُسكت الصمت الكوني. حين نحب، لا نلتفت إلى الفراغ الذي يطوقنا؛ نعلّق وعينا بشخص، بوجه، بصوت، كأننا نطلب من الآخر أن يحمينا من ارتطام السؤال الكبير: ماذا لو لم يكن لهذا كله أي معنى؟ عندها يصبح الحب مثل قارب هشّ، لكنه القارب الوحيد في بحر بلا شواطئ.
في لحظة التعلق، لسنا نكتشف الآخر بقدر ما نعيد ترتيب فوضانا الداخلية. ننظر في عينيه فنرى انعكاساً مطمئناً لذات مرتبكة. نرى في قربه وعداً ضمنياً بأن العدم لن يبتلعنا اليوم. ولهذا نشعر أن الزمن يتباطأ في حضوره، أو يشتعل في غيابه. فالحب، في جوهره، تزوير جميل للزمن: يمدد اللحظة لتبدو أبدية، ويضغط الغياب حتى يغدو كسراً للوقت.
لكن أكثر ما يكشف هذا الوهم هو الفقد. عندما يرحل من نحب، ينهار النظام النفسي الذي شيّدناه حوله. الألم هنا ليس فقط لفقدان الشخص؛ بل لأن الجدار الذي بنيناه لنحجب العدم قد سقط فجأة. ندرك حينها أن الحب لم يكن مجرد عاطفة، بل بنية معقّدة نختبئ خلفها كي لا نصغي إلى الصمت المدوّي.
حتى اللغة التي نتداولها في الحب تفضح جوهره الدفاعي. حين نقول “لا أستطيع العيش بدونك”، فإننا لا نبالغ؛ نحن نصف بدقة حالة نفسية خالصة: حاجتنا لأن يتولى أحدهم مهمة أنسنة الفراغ من حولنا. كل اعتراف بالحب هو اتفاق ضمني: “ابقَ هنا لأتمكّن من احتمال هذا الوجود.”
في كل حكاية حب هناك “خلاص” ما: مشروع وهمي نتمسك به ليبدو وجودنا أقل هشاشة. قد يكون الآخر وعداً بالاستقرار، أو بوابة للمغامرة، أو ظلاً يمنحنا شعوراً بأننا مرئيون. ولهذا تمتلئ السينما والروايات بلغة النجاة: الحبيب كمنقذ، كطريق للخلاص، كمعنى جاهز وسط الفوضى. نحن لا نحتمل فكرة حب بلا هدف، لأن العدم لا يُطاق بلا قصة نحكيها لأنفسنا.
ومع الوقت، نكتشف أن ما نسميه “الحب الناضج” ليس سوى هدنة مع العدم. شريكان يقرران معاً إدارة الفراغ بطريقة أقل وحشية: يقتسمان الخوف، يوزعان القلق، ويتواطآن على ألا يسقط أحدهما في هاوية السؤال. لكن حتى هذا الحب المروّض لا يفقد وظيفته الأولى: حماية الذات من انكشافها أمام عبث الكون.
الأدهى أننا نفضل الوهم الجميل على الحقيقة القاسية. نعيد صياغة الذكريات لتبدو مثالية، نضخم اللحظات الصغيرة لنقنع أنفسنا أننا نعيش حكاية قدَرية. لأن الاعتراف بأن الحب قد يكون صدفة بيولوجية أو حاجة نفسية طارئة يهدد صلابته، ويفضح وظيفته كدرع رقيق أمام العدم.
وحين يخوننا من أحببنا أو يغادر، لا نخسر شخصاً فقط؛ نخسر القصة التي جعلتنا نتماسك. نكتشف فجأة أن الحب كان شبكة أمان أكثر منه جسراً نحو الآخر. ولهذا يكون الحزن مضاعفاً: حزن على الغياب، وحزن على عودتنا القسرية إلى مواجهة العدم بلا أقنعة.
الحب ليس وهماً ساذجاً. هو وهم عبقري، ضروري للحياة. بدونه نصبح كائنات مكشوفة، عارية أمام الحقيقة القاسية بأننا مجرد عابري سبيل في كون لا يلتفت إلينا. الحب لا ينقذنا من هذا الإدراك، لكنه يخففه، يغطّيه بطبقة من الدفء تكفي لنواصل السير.
نقول “أحبك”، لكننا في العمق نهمس: “ساعدني أن أنسى أنني وحيد في مواجهة صمت لا نهائي.” وربما في تلك الجملة يختبئ سر الحب كله: أنه ليس إعلاناً عن معنى، بل طلب خافت للهروب منه… هروب من العدم، لا انتصاراً عليه.
مشاركة المقال :