محمد الكلابي
منذ أن نفتح أعيننا على العالم، يتسلل الآخر إلى وعينا قبل أن نعرف اسمه. نرى أنفسنا في ضحكة أم، في نظرة أب، في ارتباك نظرات الغرباء. نكبر ونحن نؤمن أننا كيان مستقل، لكن الحقيقة أن وجودنا لا يتشكل في عزلة. الآخر ليس طارئًا على وعينا؛ بل هو النسيج الذي تنعكس فيه صورتنا الأولى، الصورة التي ستطاردنا طوال العمر.
نظن أن الآخر “مختلف”، أنه بعيد عنّا بما يكفي لنراه بموضوعية. لكن كل لقاء معه هو ارتطام غير معلن بالذات. الآخر ليس هو ما نراه، بل ما نخفيه نحن: حلم مؤجل، ضعف مقموع، رغبة لم نسمح لها أن تنطق. لهذا نعجب بغريب بلا سبب واضح، أو ننفر من وجه عابر في محطة قطار؛ لأن ملامحه لمست شيئًا مدفونًا في داخلنا، شيئًا كنا نظنه خامدًا حتى تلك اللحظة.
كثيراً ما يغضبنا الآخر، ليس لأنه أخطأ بحقنا، بل لأنه التقط ملامح هشاشتنا وفضحها دون أن ينطق بكلمة. الرجل الذي يصرخ في الطريق يزعجنا لأنه يعري خوفنا من لحظة فقدان السيطرة. والمرأة التي تمشي بثقة تستفزنا لأنها تذكرنا بخوفنا القديم من قول “لا”. نحن لا نثور على الآخر، بل على ما يوقظه فينا من صور نتهرب منها كل يوم.
ولهذا نصنع حِيلاً دفاعية. نُسطّح الآخر في كلمة، نحشره في خانة، نصفه بالمغرور أو الجاهل أو المختلف. نختزل كي نحمي أنفسنا من مواجهة صورنا العارية فيه. تصنيف الآخر هو الطريقة الأقدم لترويض خوفنا منه… ومن أنفسنا.
في الحب، الآخر يتحول إلى شاشة بيضاء نعرض عليها ما ينقصنا. نحب شخصًا لا لأنه هو، بل لأنه يعكس لنا ذاتًا نحلم بها: حنانًا نفتقده، شجاعة نتمناها، دفئًا لم نختبره. ولهذا يبدو الحب في بدايته إعصاراً من الانبهار، ثم ينكسر فجأة عندما يتصرف الآخر وفق حقيقته لا وفق صورتنا المتخيلة. عندها نشعر أننا خُدِعنا، بينما كل ما حدث أننا أحببنا انعكاسنا لا هو.
والكراهية ليست سوى الحب مقلوبًا. نحن نكره من يكسر وهمنا عن أنفسنا، من يهدد النظام الداخلي الذي نعيش فيه. ولهذا تتحول الجماعات إلى آلات كراهية تجاه المختلف؛ لأن وجود المختلف يزعزع وهم التماسك، يكشف أن الهوية ليست حصنًا بل بناء هشًّا. الكراهية هنا ليست حقدًا على الآخر بقدر ما هي خوف من أنفسنا لو نظرنا في مرآته طويلاً.
العلاقة بالآخر ليست عادلة. نحن نسقط عليه رغباتنا وخيباتنا، وهو يسقط علينا أحماله بالمثل. في لحظة ما يتحول الآخر إلى مسرح لأعماقنا: غضبنا، ضعفنا، احتياجاتنا المكبوتة. كل حوار مع الآخر هو حوار مستتر مع ذواتنا، مهما أنكرنا ذلك.
منذ الطفولة، نُربّى على هذه اللعبة دون وعي. “لا تكن مثل فلان”، “انظر إلى نجاح فلان”. هكذا يتعلم الطفل أن الآخر ليس إنسانًا، بل مقياسًا، معيارًا يحدد موقعه في خريطة الحب والقبول. يكبر وهو يقيس نفسه بعيون الآخرين، فيصبح أسيرًا لنظراتهم حتى لو ادّعى العكس.
الأكثر خطورة حين تتحول صورة الآخر إلى شماعة جماعية. في السياسة والاقتصاد، يُصنع “عدو خارجي” لتفريغ القلق الداخلي. الآخر هنا يصبح كبش فداء يحمينا من مواجهة مسؤولياتنا. فبدل أن نرى هشاشتنا، نحمّلها على ظهره، ونقنع أنفسنا أننا أنقياء بلا خطايا.
الحب والكراهية، الإعجاب والنفور… كلها أشكال مختلفة لقلق واحد: خوفنا من أن نرى أنفسنا بلا أقنعة. ولهذا، كلما اقترب الآخر من كشف تلك الطبقات، هربنا، أو هاجمناه، أو تظاهرنا بأن صورته لا تعنينا. لكن الصدق يبدأ حين نتوقف أمامه بلا دفاع، بلا إنكار، ونعترف: ما يربكني فيك… هو أنا.
الآخر ليس خصمًا ولا بطلاً. هو مرآة تمشي على قدمين، تضعنا أمام حقيقتنا بصمت لا يُحتمل. وكلما طال هروبنا منه، طال هروبنا من أنفسنا. ربما كان أصعب اعتراف يمكن أن نبلغه هو أن غضبنا، عشقنا، نفورنا، كلها ليست ردود فعل على الآخر… بل ارتجافات لذاتٍ خافتت أن تنكشف في عينيه.
مشاركة المقال :