الجسد وطنٌ بلا جنسية


الجسد وطنٌ بلا جنسية

محمد الكلابي

كل صباح، حين تلتقطني المرآة، يساورني شكّ يشبه الوخز: من هذا الذي يحدّق بي من خلف الزجاج؟ أهو أنا حقاً، أم مجرد عابر يسكن هذا الجسد كما يسكن منفى لا يملك مفاتيحه؟ نحن لا نولد أحراراً، بل مسجونين في أجساد لم نخترها، بأسماءٍ لم نستشر في كتابتها، وبملامحَ حُفرت فينا قبل أن نتعلم النطق. الجسد هو أول حكمٍ مؤبد نتلقاه، وأول خيانة نتعايش معها بصمت.

نحب أن نكذب على أنفسنا فنقول: “هذا جسدي”، وكأننا نملكه كما نملك غرفة أو كتاباً. لكن الحقيقة أن الجسد يملكنا أكثر مما نملكه؛ يشيخ متى شاء، يمرض دون إذننا، ويخذلنا في أحرج لحظات انتباهنا. نحن لا نسكن الجسد، بل نُسكن فيه قسراً، نتحرك داخله كما يتحرك الغريب في بيت مستعار، يراقب كل تفصيلٍ بخوف ألا ينكشف.

الألم وحده يفضح اللعبة. حين يصرخ الجسد، تنهار كل فواصل التأمل: لا يعود هناك “أنا” ولا “هو”، نصبح جسداً خالصاً، محاصرين في صراخٍ لا لغة له، في عجزٍ يعيدنا إلى أصلنا الحيواني. الألم إعلان سيادة: الجسد يقول لك بوضوح قاسٍ “أنا السيّد، وأنت الظلّ”.

وفي الحب، تنكشف هشاشتنا بوجه آخر. لمسةٌ واحدة كافية لتذكيرنا بأننا لسنا أحراراً كما نزعم، وأننا مقيّدون برغباتٍ ليست لنا بقدر ما نحن لها. الجسد في الحب يتحول إلى ساحة صراع: بين من نريد أن نظهره، ومن نخفيه، وبين شهوتنا التي تطالب بالانكشاف وخوفنا الذي يطالب بالتواري.

أما المرض، فهو درس الجسد الأخير. إنه يفضح الوهم الذي نردده طويلاً عن السيطرة؛ إذ يدعك واعياً تماماً بينما ينهار بيتك من الداخل. عندها تفهم أن الجسد ليس وسيلة للوجود فحسب، بل عائقٌ له، عائقٌ لا سبيل لتجاوزه إلا بالغياب الكامل: الموت.

ولأن الجسد لا يُغادَر، حاول البشر منذ القدم التفاوض معه. صيامٌ طويل، حرمانٌ متعمد، طقوسٌ تصوفية تعذّب اللحم لتخلّص الروح. لكن الحقيقة الصادمة أن كل محاولة للتحرر تبقى محاصرة بحدود الجسد نفسه؛ فالنجاة الكاملة لا تُمنح إلا في اللحظة التي يتوقف فيها القلب.

الجسد لا يطمئن إلينا ولا يطمئن بنا. هو مرآة وكمين في آن واحد: كلما حاولت أن تفهم ذاتك اصطدمت به، جداراً صامتاً يذكّرك بحدودك، بسقفك البيولوجي مهما حلق وعيك.

ربما لهذا يبدو الجسد أشبه بمنفى بلا جغرافيا، وطنٍ بلا جنسية، يقيم فينا ولا يقبل مغادرتنا. نحن محكومون بأن نحمله معنا حيث نذهب، أن ندفع ضريبة وجودنا فيه كل يوم: بشهوة، بألم، بمرض، أو بخوفٍ صامت من أن يخذلنا فجأة.

أحياناً أفكر أن الجملة الأكثر صدقاً التي يمكن أن تقال هي: “أنا لست جسدي… لكنني لا أملك سواه.”



مشاركة المقال :