محمد الكلابي
السياسة فعل يقوم على القراءة بالدرجة الأولى، فمن يقرأ
يصنع قراراً ومن يهجر الكتاب يصنع كارثة، وأقسى ما نراه اليوم هو تصدر أشخاص يملكون سلطة القرار وهم يعجزون عن أبجديات الفهم، وهذا ما تعرّى بوضوح في لقاء تلفزيوني جمع المقدم علي وجيه بالنائب سجاد سالم حين سأل الأخير ببرود يثير الدهشة: «أين قالت إسرائيل إنها تريد احتلال الأرض العربية؟»، كان سؤالاً يكشف فراغاً معرفياً هائلاً، وجاء رد المقدم حين عرض عليه إهداءه «الموسوعة اليهودية» لعبد الوهاب المسيري ليكون صفعة تتجاوز حدود الاستوديو؛ فنحن أمام مفارقة سياسي يجلس باسم الشعب وهو لا يملك حتى ذاكرة خصمه التاريخية.
هذا الموقف الصغير يكشف كيف يتعامل المتصدي للمشهد عندنا مع المعلومة كترف زائد، فهو يدخل إلى الحوار كما يدخل إلى دردشة عابرة على رصيف، يظن أن ارتجاله وفصاحته اللفظية يغنيان عن المرجع والدراسة، فتراه يجيد لغة الإعلام ويحمل الشهادات العليا لكنه يفتقر لأبسط وعي سياسي يحدد خرائط النزاع ومصير وطنه، وبذلك يتحول موقعه من ممثل للوعي الجمعي إلى ثغرة مفتوحة تمنح الخصم تفوقاً مجانياً، فالقصور الثقافي هنا يولد قرارات تضر مصلحة البلد، ويجعل النائب يوقع صفقات أو يطلق تصريحات تربك الداخل وتخدم العدو، والحق أن الفاسد قد يسرق خزينة لكن الجاهل يبدد اتجاه الأمة كله، وهي جريمة تُرتكب في العلن وباسم الجماهير التي منحتهم الشرعية.
واللوم لا يقع على عاتق رجل الدولة وحده، فنحن نعيش في ثقافة عامة تميل إلى السطحية وتخشى المعرفة، وفي وعينا الجمعي يوصم السياسي الذي يقرأ بـ «التنظير» بينما يرفع الناس من شأن الثرثار الذي يبهجهم بكلمات تشبه كسلهم الفكري، هكذا تتحول الأمية السياسية من خلل فردي إلى مرض مجتمعي متوارث، نرى نتيجته في طرف يخطط بمعاهد الأبحاث والموسوعات وطرف آخر يستخف بالقراءة كأنها زينة لا تليق بالرجال، مما يجعل مشروع الخصم يتقدم بخطوات واثقة بينما يتعثر خطابنا في الفراغ، وقسوة المشهد تكمن في أن هذا الغياب المعرفي يفضح دولة لا تملك مؤسسات تفحص وعي ممثليها أو تحاسبهم على سقطاتهم
الثقافية، وكأن الجهل غدا شرطاً للترقي لا عائقاً أمامه.
السياسي الذي يهجر القراءة يذهب إلى الميدان أعزل من أي فكرة ويجر خلفه شعباً كاملاً إلى صراع غير متكافئ، فالدولة التي تسمح لممثليها بهذا الفراغ تتحول ببطء إلى كيان بلا ذاكرة ولا خريطة، والصدمة الحقيقية تكمن في أن تلك الأمية لا تنتهي بهزيمة مؤقتة في جولة مفاوضات، بل تجعلنا نقف وجهاً لوجه أمام زوال الأرض نفسها بينما يظن أصحاب القرار أنهم يحسنون صنعاً بكلماتهم المرتجلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
1
الوسوم: الكاتب محمد الكلابي
مشاركة المقال :