منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان بنطق كلمة “أنا”، رسّخ في ذاته وهمًا مركزيًا: أن هناك جوهرًا داخليًا ثابتًا يُشكّل ما هو عليه، هوية أصيلة تتجاوز تقلباته وأقنعته اليومية. لكن أي حقيقة تثبت أن هذا الجوهر موجود أصلًا؟ ما الذي يجعلنا واثقين من أننا نعرف أنفسنا بمعزل عن صورنا في أذهان الآخرين؟ وما الذي يجعلنا نؤمن بأن وعينا مرآة صافية لا خشبة مسرح؟
كل محاولة للتعرّف على الذات تنطلق من مقدمات لغوية واجتماعية سابقة على وعينا الشخصي: نحن نلتحق باللغة بعد ولادتنا، ولا نخترع مفرداتها، بل نرثها. ولأن الهوية لا تتكوّن إلا في حضن اللغة، فإنها في جوهرها منتَج سردي قبل أن تكون حقيقة أنطولوجية. إن الذات إذًا ليست نواةً صلبةً بقدر ما هي تركيبٌ تراكميّ من العادات، المخاوف، التوقعات، والذاكرة. وكلما حاولنا القبض عليها خارج هذه العوامل، وجدنا الفراغ لا الجوهر.
إذا تأملنا تاريخ تشكّل “الوعي بالذات”، سنجده مرتبطًا دومًا بوجود “آخر”: العائلة التي سمتنا أولًا، العيون التي تراقبنا، المجتمع الذي ينتظر أداءنا لدور معيّن. الذات تولد من تفاعل اجتماعي، لا من عزلة: لأنها لو وُجدت في صحراء صامتة، بلا لغة ولا جمهور، لن تعرف نفسها ولن تنطق “أنا” أصلًا. في هذا السياق يصبح الوعي عملية انتحال مستمر: نحن نرتدي صورة اختارتها لنا الجماعة، ثم نجتهد في تمثيلها حتى نصدّق أنها الحقيقة.
كلما اعتقدنا أننا اكتشفنا “ذواتنا الحقيقية”، نكون قد صنعنا قناعًا أكثر إتقانًا، لا كشفًا أصيلًا. الهوية أشبه بخطاب داخلي طويل، نردده في صمت كي ننسى هشاشتنا. والوعي، في عمقه، ليس تفكيرًا شفافًا، بل سردية دفاعية تسعى لإقناع الذات ذاتها بأنها تعرف من هي. في اللحظة التي نتوهم فيها التماسك، نعلّق على وجوهنا قناعًا جديدًا، ونرتدي وهم الثبات في مواجهة عالم لا يعترف إلا بالصيرورة.
هذا ما يجعل سؤال “من أنا؟” أخطر من أي سؤال آخر؛ لأنه يضعنا وجهًا لوجه مع واقع أننا نصنع أنفسنا كما نصنع القصص: نصّ يكتبه الخوف، الرغبة، التربية، اللغة… أكثر مما تكتبه الإرادة. وكل محاولة لتعريف الذات باليقين تنتهي بصناعة وهم جديد؛ فنظل ننتقل من قناع لآخر دون أن نلامس حقيقة لم نختلقها نحن.
ولا يكمن رعب هذه الحقيقة في كونها تجعل الهوية مرنة أو نسبية، بل في أنها تفضح هشاشتنا الوجودية: أن الإنسان لا يستطيع الصمود بلا رواية داخلية يقنع بها نفسه. ولولا هذه الرواية، لانهار أمام صمت الكون. ولهذا فالهوية حيلة دفاعية ضد العدم، وليست كشفًا للجوهر.
إن التأمل في الذات ليس عملية هادئة لاكتشاف الكينونة، بل فعل خطير يقوّض ثقة الإنسان بنفسه: كلما تعمقنا في السؤال، ازداد اهتزاز يقيننا بأننا نعرف من نحن. الوعي هنا ليس نورًا يكشف الطريق، بل مرآة مشروخة تفضح تردّد الصورة بين ما نريده لأنفسنا وما نخاف أن نكونه. وفي نهاية كل تأمل صادق، لا نجد جوابًا حاسمًا، بل قناعة متواضعة: الذات مشروع لا نهائي، يتغيّر بلا توقّف، ولا يوجد “أنا” واحدة تستحق الادعاء بأنها الأصل.
وربما لست أنا من يكتب هذا الآن، بل قناع أتقن دور المفكّر؛ وربما، في لحظة صدق نادرة، يمكنني أن أقول: أنا لا أعرفني… لكنني أحاول ألا أكون كاذبًا بالكامل.
مشاركة المقال :